د. سعيد محمد ابو رحمه يكتب : خطاب الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة.. يرسم ملامح لمرحلة جديدة
نبأ الأردن -
فلسطين، غزة
يمكن قراءة خطاب العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتباره خطاباً سياسياً يتجاوز حدود الموقف التقليدي من القضية الفلسطينية، ليضعها في إطار أوسع يرتبط بمستقبل المنطقة وبأمن الأردن وبقدرة النظام الدولي على حماية قراراته وقواعده. فالخطاب لم يركز فقط على الحرب في غزة أو على الأوضاع في الضفة الغربية، وإنما حاول بناء صورة متكاملة لمشهد إقليمي تتداخل فيه فلسطين مع الأمن والحدود والمياه والقانون الدولي، معتبراً أن استمرار الأزمات دون معالجة جذورها يمكن أن يؤدي إلى تحويل الوقائع المؤقتة إلى واقع دائم يصعب تغييره لاحقاً.
ومن أبرز ما يمكن التوقف عنده في الخطاب الملكي فكرة أن المجتمع الدولي تعامل طويلاً مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إدارة أزماته بدلاً من الوصول إلى حل سياسي حقيقي. وهذه الفكرة تحمل دلالة مهمة، لأنها تعني أن وقف الحرب أو احتواء التصعيد أو تقديم المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة معالجة الأسباب التي تعيد إنتاج الصراع. فإدارة الأزمة قد تمنع الانفجار لفترة، لكنها لا تمنع تراكم الوقائع التي يمكن أن تجعل الانفجار المقبل أكثر تعقيداً، ولذلك فإن استمرار غياب الحل السياسي يصبح بحد ذاته عاملاً في إعادة تشكيل الواقع.
وفي هذا السياق يأتي التحذير من أن إقامة الدولة الفلسطينية قد تصبح أمراً مستحيلاً إذا استمرت عملية تغيير الوقائع على الأرض. وهذه ليست مجرد إشارة إلى المستقبل، بل محاولة لطرح سؤال جوهري حول طبيعة الحل السياسي نفسه: هل ما زالت هناك مساحة جغرافية وسياسية تسمح بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، أم أن استمرار الاستيطان والتوسع وتغيير الواقع في الضفة الغربية يدفع تدريجياً نحو واقع مختلف؟ ومن هنا فإن الخطاب يتعامل مع الزمن باعتباره عاملاً سياسياً، فمرور الوقت ليس محايداً عندما تتغير الوقائع على الأرض، وتأجيل الحل قد يعني عملياً زيادة صعوبة الوصول إليه.
أما غزة فقد حضرت في الخطاب باعتبارها أكثر من مجرد ساحة حرب أو أزمة إنسانية. فهي تمثل اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من رد الفعل إلى بناء مسار سياسي وإنساني طويل الأمد. فحتى إذا توقفت العمليات العسكرية، تبقى آثار الحرب من دمار ونزوح وفقدان للمساكن والبنية التحتية والتعليم والصحة والاقتصاد، وهي ملفات لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار. ومن هنا تبرز أهمية التحذير من تراجع الاهتمام الدولي؛ لأن انتهاء التغطية الإعلامية أو انخفاض مستوى الاهتمام السياسي لا يعني انتهاء الأزمة بالنسبة إلى السكان الذين يعيشون نتائجها يومياً.
وتبرز في الخطاب فكرة الانتباه باعتبارها جزءاً من السياسة الدولية. فالعالم يعيش أزمات متلاحقة، وكل أزمة جديدة تنافس سابقتها على الاهتمام السياسي والإعلامي، لكن المشكلة أن الأزمات الإنسانية لا تنتهي عندما ينتقل اهتمام العالم إلى أزمة أخرى. ولذلك فإن الرسالة هنا تتمثل في ضرورة الحفاظ على الاهتمام بالقضية الفلسطينية حتى لا تتحول المعاناة إلى حالة اعتيادية، وحتى لا يصبح التعايش مع الأزمة بديلاً عن حلها.
لكن النقطة الأكثر ارتباطاً بالمصالح الأردنية المباشرة هي انتقال الخطاب من فلسطين إلى الأمن القومي الأردني. فعندما يؤكد الملك أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي الأردني لن يتم تجاهله، فإن ذلك يعني أن الأردن يحدد بوضوح مجموعة من المصالح التي يتعامل معها باعتبارها جزءاً من أمنه الوطني. وهنا تتحول التطورات الإقليمية من مجرد أحداث سياسية خارجية إلى عناصر يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في استقرار الدولة الأردنية.
والأمن المائي في هذا السياق يحمل دلالة خاصة، لأن المياه ليست ملفاً اقتصادياً أو تنموياً فقط، وإنما ترتبط بالأمن الاجتماعي والاستقرار ومستقبل المجتمعات. ولذلك فإن وضع المياه إلى جانب الحدود في خطاب سياسي رفيع المستوى يعني أن مفهوم الأمن الأردني أصبح أوسع من المفهوم العسكري التقليدي، ليشمل الموارد الحيوية والقدرة على حماية مقومات الحياة والاستقرار.
كما أن ربط الخطاب بين القضية الفلسطينية والتطورات الإقليمية، وخصوصاً ما يتعلق بالحدود الشمالية وسوريا، يعكس قراءة ترى أن أزمات المنطقة لم تعد منفصلة عن بعضها. فما يحدث في غزة يمكن أن يؤثر في الضفة، وما يحدث في الضفة يمكن أن ينعكس على الإقليم، والتغيرات الأمنية في دول الجوار يمكن أن تنتقل آثارها إلى الحدود الأردنية. وبالتالي فإن المنطقة أمام شبكة من الأزمات المتداخلة، وليس أمام ملفات منفردة يمكن التعامل معها كل واحدة بمعزل عن الأخرى.
يحمل الخطاب في جوهره رفعاً لمستوى التحذير السياسي وتحديداً أكثر وضوحاً للمصالح الأردنية. فالملك أبقى على لغة القانون الدولي والدبلوماسية والسلام وحل الدولتين، لكنه في الوقت ذاته أكد أن هذه المسارات لا يمكن أن تكون منفصلة عن حماية الأمن الأردني. بمعنى آخر الأردن يواصل التأكيد على الخيار السياسي، لكنه يريد أن يكون واضحاً بأن هذا الخيار لا يعني تجاهل المخاطر التي قد تنتج عن استمرار تغيير الواقع الإقليمي.
أما انتقاد الملك لتحول القرارات الدولية إلى حبر على ورق عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فيحمل بعداً أوسع من مجرد انتقاد دولة بعينها، لأنه يطرح سؤالاً حول مصداقية النظام الدولي نفسه. فإذا كانت القرارات تصدر دون أن تنجح في تغيير الواقع، وإذا كانت الوقائع الميدانية الجديدة تصبح مع مرور الوقت أمراً واقعاً، فإن المشكلة تصبح مرتبطة بقدرة المؤسسات الدولية على تنفيذ ما تقرره، وليس فقط بقدرتها على إصدار القرارات.
ومن هنا يمكن فهم الخطاب الملكي باعتباره محاولة لإعادة تعريف معنى الاستقرار في المنطقة. فالاستقرار لا يعني فقط غياب الحرب، وإنما يعني أيضاً معالجة جذور الصراع، والحفاظ على إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، ومنع تغيير الوقائع التي تقوض الحل السياسي، وحماية دول الجوار من تداعيات الصراع، وضمان الموارد الحيوية والأمن والحدود.
وفي المحصلة، فإن جوهر الخطاب الملكي يقوم على تحذير واضح من تراكم الوقائع وتحولها إلى واقع دائم. فالقضية الفلسطينية ليست، في هذه القراءة، أزمة منفصلة عن الأمن الإقليمي، وغزة لا يمكن فصلها عن الضفة، والضفة لا يمكن فصلها عن مستقبل الدولة الفلسطينية، ومستقبل الدولة الفلسطينية لا يمكن فصله عن استقرار دول الجوار، وفي مقدمتها الأردن.
لذلك فإن الرسالة الأعمق في الخطاب تتمثل في أن استمرار إدارة الأزمات دون معالجة جذورها لا يعني الحفاظ على الوضع القائم، بل قد يؤدي إلى إنتاج واقع جديد أكثر تعقيداً وأصعب تغييراً. فالوقت هنا ليس محايداً، وكل يوم يمر دون حل سياسي قد يضيف واقعاً جديداً إلى المعادلة، بينما تتسع دائرة التأثير من فلسطين إلى الإقليم بأكمله.























