يحيى الحموري يكتب: بعد خطاب نيويورك.. لم يعد السؤال ماذا قال الملك، بل ماذا ستفعل الدولة؟
نبأ الأردن -
في نيويورك الليلة، لم يتحدث جلالة الملك عبدالله الثاني من خلف منصة الأمم المتحدة بوصفه ملكا للأردن فقط، تحدث بوصفه رجلا يضع أمام العالم خريطة الخطر قبل أن تتحول الخريطة إلى نار.
كان الخطاب واضحا في تشخيص المشهد: غزة ليست جزيرة معزولة، والضفة ليست خبرا فلسطينيا بعيدا، وسوريا ليست شأنا سوريا خالصا، والمياه ليست ملفا فنيا، والحدود الشمالية ليست مجرد خط على الخريطة.
الأردن، في هذا الخطاب، دخل إلى قلب الصورة.
قال الملك للعالم، بصورة لا تحتمل كثيرا من التأويل، إن الأطماع التوسعية الإسرائيلية أصبحت تهديدا إقليميا، وإن ما يجري في سوريا إنذار يختار العالم ألا يراه، وإن المساس بالحدود الشمالية أو الأمن المائي هو مساس بالأمن القومي الأردني.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا ينبغي أن ينام بعد عودة الطائرة الملكية من نيويورك:
ماذا ستفعل مؤسسات الدولة بهذا الكلام؟
الحكومة ليست مطالبة بإعادة الخطاب على شاشات التلفزيون.
هي مطالبة بأن تترجمه إلى سياسات.
ومجلس النواب ليس مطلوبا منه أن يصفق للخطاب.
بل أن يسأل: ما هي المخاطر التي تحدث عنها الملك؟ وما هي الاستعدادات لمواجهتها؟
والدبلوماسية الأردنية ليست مطالبة بشرح ما قاله الملك.
هي مطالبة بتحويله إلى مواقف وتحالفات وضمانات دولية.
والإعلام ليس مطلوبا منه أن يصنع من الخطاب أسطورة.
بل أن يشرح للأردنيين ماذا يعني أن يصبح الأمن المائي والحدود الشمالية جزءا صريحا من خطاب الأمن القومي.
والأجهزة المعنية ليست بحاجة إلى ضجيج.
فالملفات الخطرة لا تحتاج إلى مكبرات صوت.
أما المواطن، فله سؤال أبسط من كل الأسئلة:
هل الدولة تعرف ما الذي يحيط بها؟
الجواب الذي خرج من نيويورك كان واضحا: نعم.
لكن السؤال الأصعب:
هل كل مؤسسات الدولة تعمل على مستوى هذا الإدراك؟
هنا بالضبط تبدأ المرحلة الجديدة.
لا أعتقد أن قيمة خطاب الملك تكمن في أنه كان حادا فقط، الحدة يمكن لأي سياسي أن يمارسها.
قيمته في أنه نقل بعض الملفات من خانة "الاحتمالات” إلى خانة "الأمن الوطني”.
وهذا فرق هائل.
فالحدود ليست جغرافيا فقط.
والماء ليس ماء فقط.
وسوريا ليست دولة مجاورة فقط.
وفلسطين ليست قضية عاطفية فقط.
كل واحدة من هذه الملفات يمكن أن تمتد يدها إلى الأردن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد خطاب الليلة هو أن يتحول إلى مناسبة للتصفيق.
وأخطر ما يمكن أن تفعله الدولة هو أن تعتبر أن مهمتها انتهت بمجرد أن انتهى الخطاب.
الخطاب انتهى في نيويورك.. لكن مفاعيله تبدأ في عمان.
ومن هنا، فإنني لا أريد أن أسمع غدا عشرات البرامج التي تسأل: هل كان خطاب الملك قويا؟
السؤال انتهى.
كان واضحا.
والعالم سمعه.
السؤال الحقيقي:
ماذا ستفعل الحكومة؟
ماذا سيفعل البرلمان؟
ماذا ستفعل الدبلوماسية؟
ماذا ستفعل المؤسسات الأمنية؟
ماذا ستفعل مؤسسات المياه؟
ماذا ستفعل الدولة في ملف الجنوب السوري؟
وماذا سيفعل الإعلام إذا بدأت المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الاشتباك السياسي والإعلامي؟
ثم هناك سؤال آخر، أكثر خطورة:
هل نحن مستعدون لأن نختلف في الداخل دون أن نسمح لأحد بأن يحول خلافاتنا إلى ثغرات؟
هذا ليس دعوة لإسكات أحد.
ولا لإلغاء النقد.
ولا لتحويل الوطن إلى مساحة ممنوع فيها السؤال.
على العكس.
الدولة القوية هي التي تسمح بالنقد، لكنها لا تسمح بتحويل النقد إلى فوضى، ولا تسمح بأن تصبح معاناة الناس وقودا لمشاريع لا يعرف الأردنيون أصحابها ولا غاياتها.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى دولة تتحدث بوضوح، ومؤسسات تتصرف بهدوء، وإعلام يتحرى الدقة، ومجتمع لا يقع في فخ الشائعة، ومعارضة تنتقد دون أن تهدم، وموالاة لا تحول الوطنية إلى تصفيق.
أما الأردن نفسه، فلا يحتاج إلى أن يثبت لأحد أنه موجود.
تاريخ هذا البلد فعل ذلك.
وحدوده فعلت ذلك.
وجيشه فعل ذلك.
وشعبه فعل ذلك.
لكن التاريخ لا يعفي الحاضر من مسؤولياته.
ولذلك، ربما تكون أهم جملة بعد خطاب نيويورك هي:
يا مؤسسات الدولة.. لقد سمع العالم ما قاله الملك، والآن جاء دوركم أن تجعلوا ما قيل سياسة، واستعدادا، وحماية، وفعلا.
فالخطابات الكبرى لا تقاس بعدد الذين صفقوا لها.
تقاس بعدد القرارات التي ولدت بعدها.
ومن نيويورك، لم يرسل الملك للعالم رسالة واحدة فقط.
لقد أرسل إلى الداخل أيضا رسالة لا تقل وضوحا:
انتبهوا.. المنطقة تتغير، والأردن لا يملك ترف أن ينام.
























