عماد داود يكتب: الدولة تغيّر الميكروفون — والثقة ماتت قبل أن يُفتح!

عماد داود يكتب: الدولة تغيّر الميكروفون — والثقة ماتت قبل أن يُفتح!
نبأ الأردن -
في منتدى "تواصل" وأمام جمهور من الإعلاميين والمختصين، قال الدكتور محمد المومني ما قاله. قاله بوضوح لا يحتاج ترجمة. وقاله بثقة من يعرف أن ما يقوله صحيح. ثم اندلع الجدل.
توقف هنا قليلاً.
لأن الجدل نفسه — قبل أن يكون نقداً — كان تشخيصاً.
صحفيون شعروا أن المهنة تُدفن حية. سياسيون رأوا خصخصة للهيبة السيادية. ونشطاء تعاملوا مع التصريح كأنه إعلان رسمي لتحويل الدولة إلى حساب تيك توك كبير.
لكن من قرأ التصريح كاملاً — لا المقتطع المجتزأ — يعرف أن الوزير لم يقل ما ظنه كثيرون. قال شيئاً أبسط وأخطر: المعلومة الصحيحة تحتاج قنوات متعددة للوصول. والقناة الرسمية وحدها لم تعد تكفي في زمن صار فيه المواطن يبحث عن الحقيقة على هاتفه لا على شاشة الدولة.
لكن المشكلة لم تكن في التعريف. كانت في المناخ.
والمناخ الأردني اليوم — وهذا ما لا يقوله أحد بصوت مرتفع — مناخ منهك حتى آخر أعصاب الثقة. يعيش على خيبات قديمة متراكمة. غاضب من الغلاء. غاضب من الراتب الذي لم يتحرك منذ سنوات. غاضب من الوعود التي تتراكم كالطبقات الجيولوجية دون أن تتحول إلى أرض صلبة تحت أقدام الناس.
وحين يصبح المناخ بهذه الهشاشة تتحول أي جملة إلى قنبلة سياسية. لأن الشعوب المتعبة لا تسمع الكلمات كما تُقال. تسمعها كما تختزنها ذاكرتها الجريحة.
وهنا يبدأ ما هو أبعد من الأردن.
ما جرى في "تواصل" ليس حادثة أردنية خالصة. هو مشهد يتكرر من تونس إلى بغداد إلى بيروت. حكومات تحاول تحديث أدوات اتصالها في لحظة انهار فيها الرصيد قبل أن تتغير الأداة. وكأنك تستبدل ميكروفوناً في قاعة فارغة وتسمي ذلك حواراً وطنياً. المشكلة ليست في جودة الصوت. المشكلة أن لا أحد يريد أن يسمع.
الحكومة العربية النموذجية اليوم واقعة في فخ مزدوج: إذا تحدثت بالأدوات القديمة اتُّهمت بالتحجر. وإذا استخدمت أدوات العصر اتُّهمت بالتزوير. وفي الحالتين السؤال الحقيقي لا يُطرح: لماذا وصلت الثقة إلى هذا الحضيض أصلاً؟
الرجل قال شيئاً بالغ الخطورة: الدولة لم تعد تحتكر الوصول إلى الناس. وهنا ارتبكت النخب كلها. لأن هذه الجملة وحدها تعني أن الإعلام الرسمي فقد الهيبة التي كانت تجعل البيان الحكومي أشبه بآية لا تُناقش. في زمن صلاح أبو زيد كان الصوت الرسمي جزءاً من بناء الدولة نفسها. أما اليوم فالدولة تواجه ألف شاشة وعشرة آلاف منصة ومليون رواية. في زمن كهذا لا تكفي البيانات.
لو خرج أشهر مؤثر وقال إن الاقتصاد بخير لن يصدقه من ينتهي راتبه يوم الخامس عشر. ولو ظهر ألف ناطق رسمي لن يقنعوا خريجاً عاطلاً يرسل سيرته منذ خمس سنوات. هل جربت أن تشرح لمواطن أن التضخم عالمي وهو ينظر إلى راتبه الذي لا يصل إلى منتصف الشهر؟
المشكلة ليست في الأداة. المشكلة في الفجوة بين الخطاب والواقع.
"نبني المداميك" ثم اكتشف الناس أين بُنيت. "مليون فرصة عمل" ثم تحولت إلى نكتة. "الأيام الأجمل" ثم صار انتظارها عادة وطنية مؤجلة. في وسط هذا الإرث جاء المومني ليقول إن الدولة ستستخدم أدوات العصر فانهالت عليه البلاد دفعة واحدة. المشكلة لم تكن في التصريح. كانت في الرصيد الذي استقبله: رصيد ثقة منهك.
هل لدينا — في الأردن وفي غيره من العواصم العربية — مشروع اتصال وطني حقيقي؟ أم نحاول إطفاء حرائق الثقة ببيانات مؤقتة وواجهات جديدة على نفس المحتوى القديم؟
لأن الدولة التي لا تشرح نفسها سيشرحها الآخرون. وحينها تصبح الحقيقة نفسها مسألة تفاوض.
لم يكن الجدل حول المومني تفصيلاً عابراً. كان لحظة كشف كاملة. كشفت أن الأزمة ليست أزمة إعلام ولا منصات ولا حكومة. بل أزمة علاقة كاملة بين الدولة والناس — في الأردن وفي كل عاصمة عربية تسمع صدى هذا الجدل وتتظاهر أنه لا يعنيها.
علاقة تحتاج إلى شيء أكبر من المؤثرين وأكبر من البيانات وأكبر من الثرثرة الرسمية كلها.
تحتاج إلى إعادة بناء الثقة من الصفر.
لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الدول ليس أن يُهاجَم وزراؤها. بل أن يصبح مواطنوها غير قادرين على تصديق أي شيء حتى لو كان صحيحاً.
لماذا نترجم الوزير ونرجمه؟
لأن الرجم أسهل كثيراً من مواجهة الحقيقة التي يخفيها الجدل كله.
ماذا تقول الدولة لمواطن لم يعد يصدقها؟
لا لأن الأداة عاجزة. بل لأن الثقة انتحرت قبل أن يُفتح الميكروفون.
عماد داود
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions