د. أمجد الفاهوم يكتب : عندما يعلو الكرسي على الفكرة

د. أمجد الفاهوم يكتب : عندما يعلو الكرسي على الفكرة
نبأ الأردن -
لا يبدأ ضعف المؤسسات دائمًا من نقص الموارد، ولا من غياب الكفاءات، ولا حتى من تغيرات السوق السريعة، بل يبدأ أحيانًا من لحظة صامتة تتكرر يوميًا داخل بيئة العمل، حين يشعر الموظف أن رأيه يُسمع على سبيل المجاملة لا القناعة، وأن فكرته تُؤجل لأن صاحبها لا يجلس في الموقع الأعلى على السلم الوظيفي.

تتحدث مؤسسات كثيرة عن التمكين بوصفه قيمة إدارية حديثة، وتُكثر من استخدام مفردات مثل الثقة والمشاركة والعمل الجماعي، غير أن الممارسة اليومية تكشف في أحيان كثيرة فجوة واضحة بين الشعار والتطبيق. فقد يُمنح الموظف صلاحيات مكتوبة، لكنه في الواقع يبقى أسير سلسلة طويلة من الموافقات، ويتردد في اتخاذ أبسط قرار خشية الوقوع في دائرة اللوم أو سوء الفهم أو المبالغة في المحاسبة.

هنا تظهر المشكلة الحقيقية، فالتمكين لا يُقاس بعدد الصلاحيات المكتوبة في الوصف الوظيفي، وإنما بقدرة المؤسسة على الإصغاء الحقيقي، واحترام الرأي المهني، ومنح الفكرة الجيدة فرصة عادلة كي تُناقش وتُختبر، حتى لو جاءت من أصغر عضو في الفريق أو من موظف ما يزال في بداية الطريق.

تبدأ معضلة بعض بيئات العمل عندما تتحول الإدارة من قيادة للأفكار إلى إدارة للمناصب. عندها لا يعود الاهتمام منصبًا على جودة الفكرة أو أثرها المتوقع، بل على اسم صاحبها وموقعه الوظيفي. وفي هذه اللحظة يتراجع التفكير المهني أمام الحسابات الضيقة، ويصبح الهرم الإداري عائقًا أمام التطوير بدل أن يكون وسيلة لتنظيمه.

ولا تحتاج المؤسسات وقتًا طويلًا كي تدفع ثمن هذه الثقافة، لأن الموهبة لا ترحل فجأة كما يعتقد البعض. تبدأ القصة غالبًا بصمت تدريجي، فيقترح الموظف فكرة فلا تجد الاهتمام الكافي، ثم يحاول مرة أخرى فتُقابل بالتأجيل أو التجاهل أو التبرير، وبعد ذلك يقتنع أن الحماس وحده لا يغير شيئًا، فيكتفي بأداء الحد الأدنى من المطلوب، قبل أن يبدأ انسحابه النفسي، حتى لو بقي حاضرًا في مكان العمل.

ومن أكثر الأخطاء الإدارية شيوعًا الاعتقاد أن الموظف المبدع يغادر فقط بسبب الراتب أو الامتيازات. فالواقع يشير إلى أن كثيرًا من أصحاب الكفاءات يرحلون حين يفقدون شعورهم بالتأثير. فالإنسان بطبيعته يحتاج أن يشعر بأن جهده موضع تقدير، وأن فكرته قادرة على صنع فرق، وأن المؤسسة تنظر إليه بوصفه عقلًا يضيف لا مجرد منفذ للتعليمات.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تسود ثقافة الخوف والمراقبة المفرطة. فالإدارة التي تدقق في كل تفصيل صغير، وتحاسب على كل اجتهاد غير مكتمل، تُنتج بيئة دفاعية لا بيئة تطوير. ومع مرور الوقت يتوقف العاملون عن التفكير خارج المألوف، ليس لأنهم عاجزون عن الإبداع، بل لأنهم تعلموا أن السلامة تكمن في الصمت، وأن كلفة الخطأ قد تبدو أعلى من كلفة المحاولة.

كما تقع بعض المؤسسات في خطأ آخر يتمثل في تقديس الطرق القديمة. فكل فكرة جديدة تُقابل بعبارات مألوفة من قبيل أننا اعتدنا العمل بهذه الطريقة، وكأن نجاح الأمس يكفي لضمان نجاح الغد. بينما تؤكد التجارب العملية أن الجمود الإداري يبدأ غالبًا عندما تتحول الخبرة إلى مقاومة للتغيير بدل أن تكون وسيلة لفهمه وإدارته.

ولا يعني التمكين الحقيقي غياب التنظيم أو إلغاء التسلسل الإداري أو تحويل المؤسسة إلى مساحة بلا ضوابط. فالتمكين ليس فوضى، كما أنه ليس تفويضًا شكليًا يترك الموظف يواجه المسؤولية وحده من دون أدوات أو دعم. إنه معادلة دقيقة تجمع بين الثقة والمساءلة، وبين الحرية المهنية والانضباط المؤسسي.

وتبدأ هذه المعادلة عندما تصبح الفكرة قادرة على منافسة الفكرة بعيدًا عن اعتبارات المنصب، وحين يشعر الموظف أن رأيه لا يُختزل بدرجته الوظيفية، وأن الاجتماعات تتحول إلى مساحة للنقاش المهني الحقيقي لا مجرد مناسبة لتأكيد قناعات جاهزة.

كما يقتضي التمكين منح الموظفين هامشًا آمنًا للتجربة والخطأ المحسوب. فليست كل فكرة قابلة للنجاح، لكن المؤسسات الواعية تدرك أن الخوف من الخطأ أكثر كلفة من الخطأ نفسه، لأن الخوف يقتل المبادرة من جذورها، بينما يخلق التعلم المستمر قدرة أفضل على التحسن والتكيف.

وفي المقابل، هناك ممارسات تفرغ التمكين من مضمونه ينبغي الحذر منها، من بينها المركزية المفرطة، والاستشارات الشكلية التي لا تنعكس على القرار، ومعاقبة الرأي المختلف، وربط الولاء بالموافقة الدائمة، وتقديم أصحاب العلاقات على أصحاب الأفكار.

واللافت أن المؤسسات التي تنجح في الاحتفاظ بالكفاءات ليست دائمًا الأكبر أو الأغنى، بل تلك التي تمنح العاملين فيها شعورًا بأن عقولهم موضع احترام. فالموظف حين يشعر أن صوته مسموع، وأن فكرته تجد فرصة…
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions