جهاد مساعدة يكتب: عبقريةُ مَلِكٍ هاشميّ
نبأ الأردن -
جرتْ عاداتُ الزمان، منذُ سالفِ الدهور، أنَّ الممالكَ إذا اضطربتْ أحوالُها، وتتابعتْ عليها الفتنُ والخطوب، ظهرَ فيها قومٌ يُحسنونَ تهييجَ العامة، ويستميلونَ القلوبَ بظاهرِ الحماسة، حتى يظنَّ الظانُّ أنَّ صلاحَ الدولِ في علوِّ الأصوات، لا في رجاحةِ العقول.
ولقد رأينا في هذا العصر، وما اكتنفَ المشرقَ العربيَّ من اضطرابِ الأحوال، واختلالِ الموازين، وتتابعِ الحروب، قومًا من خُطباءِ الأحزابِ قد جعلوا الدعوةَ إلى الحربِ بابًا إلى استمالةِ الجماهير؛ يُعظّمونَ شأنَ المواجهةِ تعظيمَ من جهلَ ما في الحروبِ من خرابِ العمران، وفسادِ المعاش، وذهابِ الأمن، وتفرّقِ الكلمة.
وذلكَ أنَّ كثيرًا من الناسِ إذا نأوا عن مواقعِ البلاءِ، راقَ لهم من القولِ ما لو أصابهم بعضُ أثرِه، لعلموا أنَّ الحماسةَ ليستْ رأيًا، وأنَّ الدولَ لا يحفظُها التهوّر، ولا تستقيمُ أمورُها بالغضب.
وقد قال الخليفةُ الراشدُ عمر بن الخطاب:
"الحربُ زبونٌ لا يصلحُ لهُ إلا الرجلُ المكيث."
والمكيثُ عندهم ليسَ بالضعيفِ ولا الواهن، ولكنَّهُ الرجلُ الذي يُقدِّمُ النظرَ في العواقب، ويعرفُ مقاديرَ الأمور، فلا يحملهُ غضبُ العامةِ على ما يُفسدُ المُلكَ ويُضعفُ الرعيّة.
ومن تأمّلَ سيرةَ الملك عبدالله الثاني، علمَ أنَّهُ جرى في سياسةِ الدولةِ على طريقةِ الملوكِ الحازمين، الذينَ لا يستفزُّهم الصخب، ولا يحملُهم اضطرابُ الإقليمِ على الخروجِ من ميزانِ الحكمة.
فقد كانَ، في أوقاتِ الشدّة، أميلَ إلى التثبّتِ والنظر، وأعرفَ بمواضعِ الحزمِ واللين، يُدركُ أنَّ البلادَ التي تقعُ في جوارِ النيرانِ لا يحفظُها التهوّر، وإنما يحفظُها عقلٌ يُحسنُ التقدير، ويزنُ المصالحَ بميزانِ الدولة، لا بميزانِ الخطباء.
ولقد علمَ أهلُ التجاربِ أنَّ أشدَّ ما يُبتلى بهِ الملوكُ في أزمنةِ الفتن، أنْ يكثرَ حولهم أصحابُ الأصواتِ المرتفعة، ممّن يستحسنونَ ما يوافقُ هوى الجماهير، وإنْ أفضى إلى وهنِ الدولة.
غيرَ أنَّ الملكَ الحكيمَ هو الذي ينظرُ إلى ما وراءَ الساعةِ الحاضرة، ويعتبرُ بما تؤولُ إليهِ الحروبُ من خرابِ المدن، وتعطّلِ المعاش، وفسادِ أحوالِ الناس.
ولهذا بقيَ الأردنُّ، مع ما أحاطَ بهِ من خطوبِ الإقليم، ثابتَ البنيان، محفوظَ التوازن، ظاهرَ التماسك؛ لأنَّ على رأسِهِ مَلِكًا عرفَ من سياسةِ الملوكِ أنَّ الشجاعةَ ليستْ في كثرةِ الحروب، بل في صيانةِ الأوطان.
وهكذا كانتْ عبقريةُ الملوكِ في كلِّ زمان؛ أنْ يملكوا، عندَ اضطرابِ الناس، رزانةَ العقل، وعندَ هيجانِ العاطفة، بُعدَ النظر، وعندَ اختلاطِ الأصوات، البصيرةَ التي تُميّزُ ما يبقى ممّا تذروهُ الرياح. وتلكَ خصلةٌ قد تجلّتْ في سيرةِ الملك عبدالله الثاني، الذي مضى بالأردنِّ في أزمنةِ الفتنِ وتقلبِ الإقليمِ مضيَّ الملوكِ الحازمين؛ لا تُخرجهُ جلبةُ الجماهيرِ من ميزانِ الحكمة، ولا تحملهُ عواصفُ اللحظةِ على ما تندمُ عليهِ الدول.
فكانَ الملك عبدالله الثاني، وسطَ بحارِ الاضطرابِ وعصفِ الإقليم، رُبّانًا يُمسكُ بالدَّفَّةِ بعينِ البصيرةِ ورزانةِ الحُكم؛ لا تُغريهِ عواصفُ اللحظة، ولا تُخرجهُ جلبةُ الأصواتِ من ميزانِ الحكمة. فحفظَ للدولةِ هيبتَها، وللوطنِ توازنَهُ، وللناسِ أمنَهم، في زمنٍ اضطربتْ فيهِ الموازين، وتفرّقتْ فيهِ وجوهُ الرأيِ بينَ تهوّرٍ يُغري بالحريق، وحكمةٍ تحفظُ للأوطانِ كيانَها.


























