د علي الطراونة يكتب: حين يصبح الاختصاص “خدمة فعلية” لا “اعترافاً قانونياً”
نبأ الأردن -
في كل دول العالم، تُقاس قيمة الطبيب بعلمه، وخبرته، وكفاءته في إنقاذ المرضى وخدمة الناس. أما عندنا، فقد يجد الطبيب نفسه يمارس أدق الاختصاصات الطبية يومياً، بينما يُعامل رسمياً وكأنه لم يغادر مرحلة "الطبيب العام” بعد.
هذه ليست مبالغة، بل واقع يعيشه عدد من أطباء وزارة الصحة الأردنية الذين أمضوا سنوات طويلة في الغربة والتخصص خارج الوطن على نفقتهم الخاصة، واجتازوا الامتحانات المهنية المطلوبة، وحصلوا على تراخيص مزاولة الاختصاص في دول الدراسة، ثم عادوا إلى الأردن حاملين معهم العلم والخبرة والرغبة الصادقة في خدمة بلدهم.
عادوا إلى المستشفيات الحكومية، إلى أقسام الطوارئ والعمليات والعيادات، وعملوا كأطباء اختصاص بشكل فعلي، وسدوا النقص في العديد من المستشفيات الرئيسية والطرفية، وتحملوا ضغط العمل وقلة الإمكانيات، إيماناً منهم بأن خدمة الوطن ليست شعاراً، بل مسؤولية.
لكن الصدمة تبدأ حين يُطلب من هؤلاء الأطباء تجديد مزاولة "طبيب عام”، رغم أنهم يمارسون الاختصاص يومياً تحت مظلة وزارة الصحة نفسها.
والأشد مرارة أن الاعتراف الرسمي بتخصصهم يُرفض بحجة عدم استكمال "ثلاث سنوات خبرة خارج الأردن” بعد إنهاء الاختصاص، وكأن سنوات العمل والخبرة داخل المستشفيات الأردنية لا تملك أي قيمة علمية أو مهنية.
أي رسالة تصل للطبيب هنا؟
أن خبرتك معترف بها ما دمت خارج الوطن، أما إن خدمت داخل الأردن، فإن تلك الخبرة تصبح غير كافية للاعتراف بك!
إن هذا الواقع يطرح أسئلة أكبر من مجرد قضية إدارية أو قانونية؛ فهو يمس ثقة الدولة بمؤسساتها الصحية نفسها. فإذا كانت المستشفيات الحكومية غير مؤهلة لتقييم الطبيب ومتابعة أدائه ومنحه الخبرة المعترف بها، فكيف نطلب من المواطن أن يثق بها؟
الأصل أن تكون سنوات العمل داخل وزارة الصحة جزءاً أساسياً من التقييم والاعتراف، لا أن تتحول إلى "سنوات ضائعة” في السجل المهني للطبيب.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن استمرار هذه السياسات يدفع الكفاءات الطبية إلى الإحباط أو الهجرة، ويُضعف القطاع الصحي الحكومي الذي يعاني أصلاً من نقص الاختصاصيين. فبدلاً من احتواء الأطباء المؤهلين وتشجيعهم على البقاء، يُتركون عالقين بين واقع يمارسون فيه الاختصاص، وقانون لا يعترف بهم كأخصائيين.
القوانين وُجدت لتنظيم العدالة لا لتعطيلها، وأي نص قانوني يفقد قدرته على مواكبة الواقع يصبح بحاجة إلى مراجعة شجاعة ومسؤولة. فلا يعقل أن يتحول الطبيب الذي اختار العودة إلى وطنه وخدمة مؤسساته إلى صاحب معاناة مهنية، فقط لأنه آمن بأن الأردن أولى بخبرته.
المطلوب اليوم ليس استثناءات ولا امتيازات، بل إعادة النظر في آليات الاعتراف بالاختصاص، بحيث تُحتسب الخبرة داخل الأردن ضمن المعايير المهنية المعتمدة، خاصة حين تكون تحت إشراف مؤسسات الدولة نفسها وضمن تقييمات وممارسات يومية موثقة.
فالأوطان التي تحترم أبناءها لا تجعل الاعتراف بكفاءاتهم مرتبطاً بجغرافيا العمل، بل بحقيقة ما يقدمونه من علم وخدمة وإنجاز.
ويبقى السؤال الأهم:
كيف نطلب من الطبيب أن يبقى مخلصاً لمؤسساته، إذا كانت هذه المؤسسات نفسها لا تعترف بخبرته حين يخدم فيها؟


























