د. وليد العريض يكتب : حين يصبح الإعلام تابعًا للسردية الأمريكية: مناظرات الصراخ وسقوط المهنية
نبأ الأردن -
في زمنٍ تتسارع فيه الحروب وتتشابك فيه السرديات، لم تعد بعض البرامج السياسية العربية ساحاتٍ للحوار بقدر ما أصبحت مسارح لإدارة الانطباعات وتوجيه الرأي العام وإعادة إنتاج الخطاب الأمريكي بثياب عربية ولهجات محلية. ولم يعد المشاهد يبحث فقط عمّن يملك المعلومة، بل عمّن يملك الشجاعة ليقولها وسط الضجيج والمقاطعة والفوضى المنظمة.
لقد تحوّلت بعض المناظرات التلفزيونية إلى معارك غير متكافئة؛ يُستضاف فيها الرأي المختلف لا للاستماع إليه، بل لمحاصرته ومقاطعته وتشتيته وتحويله إلى متهم داخل الاستوديو.
وحين يعجز الخطاب المقابل عن مواجهة الفكرة بالحجة، يبدأ اللجوء إلى أكثر الأسلحة الإعلامية استهلاكًا: رفع الصوت، تقطيع الوقت، إرباك المتحدث وإغراق الحوار بالفوضى.
المشكلة ليست في الاختلاف السياسي؛ فالاختلاف صحي وضروري، بل في تحوّل بعض المنابر إلى أدواتٍ تعيد تسويق الهزيمة النفسية تحت عناوين "الواقعية" و"العقلانية" و"الحلول الممكنة" . وهنا يصبح المقاوم متهمًا والثابت على موقفه مغامرًا، بينما يُقدَّم الانحناء أمام القوة باعتباره حكمة سياسية وذكاءً استراتيجيًا.
في كثير من الحوارات الأخيرة، بدا واضحًا أن بعض الأصوات التي تتحدث بهدوء وثقة كانت تثير ارتباكًا حقيقيًا داخل الاستوديو، لا لأنها تصرخ أكثر، بل لأنها تتحدث بمنطق متماسك لا يحتاج إلى استعراض. فالهدوء أحيانًا يفضح هشاشة الضجيج والثقة تكشف ارتباك الذين يعتمدون على المقاطعة بدل الحجة.
المفارقة المؤلمة أن بعض الإعلام العربي لم يعد يناقش الاحتلال بقدر ما يناقش "كيفية التعايش معه" ولم يعد يسأل: كيف تتحرر الأرض؟ بل: كيف نتأقلم مع الأمر الواقع؟ وهنا تكمن أخطر مراحل الانحدار؛ حين تتحول الهزيمة من ظرف سياسي إلى ثقافة إعلامية كاملة.
إن الوطنية لا تعني إلغاء العقل، كما أن دعم المقاومة لا يعني رفض النقاش، لكن تحويل أي صوت يرفض الهيمنة الأمريكية أو ينتقد المشروع الصهيوني إلى مادة للهجوم والتشويه، يكشف حجم الانحياز الذي تعانيه بعض الشاشات. فالإعلام الحقيقي لا يخشى الرأي المختلف، بل يمنحه المساحة الكافية ليُختبر أمام الجمهور.
لقد أصبح المشاهد العربي أكثر وعيًا من أن تنطلي عليه أساليب المقاطعة والتشويش والإدارة المنحازة للحوار. فحين يشعر الناس أن الوقت يُوزَّع وفق المواقف، وأن بعض الضيوف يُمنحون حرية الهجوم بينما يُحاصر آخرون بالاستفزاز، تسقط المهنية ويتحوّل البرنامج من منصة نقاش إلى أداة اصطفاف سياسي.
التاريخ لا يحترم الإعلام الذي يلهث خلف القوة، بل الإعلام الذي يحترم عقل الناس ويمنح الحقيقة فرصة عادلة كي تُقال. أما الضجيج، فمهما ارتفع، يبقى عاجزًا عن إخفاء ارتباك الذين يخشون صوتًا هادئًا يقول ما لا يريدون سماعه.


























