د راكان أبو طرية يكتب: بين صمت الأمس وضجيج اليوم: لماذا يتحدث المسؤولون السابقون الآن؟
نبأ الأردن -
في الآونة الأخيرة، برزت على الساحة ظاهرة لافتة تتمثل بخروج عدد من المسؤولين السابقين عبر وسائل الإعلام والمنصات المختلفة للحديث عن ملفات فساد أو توجيه انتقادات حادة لآليات إدارة الدولة، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة يطرحها المواطن الأردني حول توقيت هذا الظهور وأهدافه والجهات التي تقف خلفه.
فهل تحوّل بعض المسؤولين السابقين فجأة إلى حراس للنزاهة بعد مغادرتهم مواقعهم؟ ولماذا لم تُطرح هذه القضايا عندما كانوا جزءاً أساسياً من منظومة صنع القرار ويتمتعون بالصلاحيات والنفوذ؟ وهل كانت الحقيقة غائبة عنهم آنذاك، أم أن الجرأة لا تظهر إلا بعد مغادرة الكراسي والمواقع الرسمية؟ ثم من المستفيد من إعادة إنتاج خطاب يضرب ثقة المواطن بمؤسسات الدولة ويعمّق حالة الإحباط والشك في الشارع العام؟
إن محاربة الفساد مطلب وطني لا يختلف عليه اثنان، وهي ضرورة لحماية الدولة وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتهم، إلا أن الخطورة تكمن في تحويل هذا الملف الحساس إلى أداة للمناكفات السياسية أو تصفية الحسابات الشخصية أو الصراعات بين مراكز النفوذ. فالمواطن لم يعد يتلقى التصريحات بعفوية كما في السابق، بل بات يتساءل بوعي وقلق: لماذا الآن؟ ومن يقف خلف هذا الحراك الإعلامي المكثف؟ وهل الهدف فعلاً الإصلاح، أم خلق حالة مستمرة من التشكيك بالدولة ومؤسساتها؟
وما يثير القلق أكثر أن تزامن هذه التصريحات مع ظروف سياسية واقتصادية وإقليمية دقيقة يفتح الباب أمام تساؤلات لا يمكن تجاوزها: هل هناك من يسعى بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى إضعاف الحكومة الحالية والنيل من قدرتها على إدارة المشهد؟ وهل المقصود من هذا السيل المتتابع من اللقاءات والمقابلات خلق حالة من الإرباك الشعبي وفقدان الثقة بكل ما يصدر عن مؤسسات الدولة؟ ثم كيف يمكن للمواطن أن يميز بين النقد الوطني المسؤول وبين حملات تبدو في بعض جوانبها وكأنها تصفية حسابات بين شخصيات أو مراكز قوى فقدت نفوذها ومواقعها؟
والأهم من ذلك، كيف لمسؤول كان جزءاً من صناعة القرار لسنوات طويلة أن يتحدث اليوم بلغة المعارض الغاضب وكأنه لم يكن شريكاً مباشراً في السياسات والقرارات التي ينتقدها؟ وإذا كان يمتلك كل هذه المعلومات والحقائق، فلماذا اختار الصمت وهو في موقع المسؤولية، واختار الكلام بعد مغادرته المنصب؟ وهل أصبحت بعض المنابر الإعلامية ساحات لإعادة تدوير الأزمات وإضعاف الثقة العامة تحت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد؟
ومن هنا، فإن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على مراقبة ما يجري أو الاكتفاء بسياسة الصمت، بل تفرض عليها التعامل بجدية وشفافية مع كل ما يُطرح أمام الرأي العام. فإذا كانت هذه التصريحات تستند إلى معلومات ووقائع حقيقية، فإن الواجب الوطني والقانوني يقتضي فتح الملفات ومحاسبة كل من يثبت تورطه أياً كان موقعه. أما إذا كانت مجرد ادعاءات أو محاولات لإثارة الرأي العام وتصفية الحسابات، فإن من حق المواطن أن يعرف الحقيقة كاملة، وأن تتم مساءلة كل من يستخدم قضايا الوطن وهموم الناس لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية.
لقد وصلت العلاقة بين المواطن والمسؤول إلى مرحلة دقيقة من تراجع الثقة، نتيجة تراكمات طويلة من الوعود غير المنجزة، والقرارات المتناقضة، والشعور العام بغياب العدالة والمحاسبة الحقيقية. ولهذا فإن أي تصريح يصدر عن مسؤول سابق يجد صدى واسعاً وتأثيراً كبيراً، لأن المواطن بات يبحث عن الحقيقة وسط حالة من الضبابية وفقدان اليقين.
إن استعادة ثقة الناس لا تتحقق عبر التصريحات أو حملات العلاقات العامة، بل من خلال ترسيخ دولة القانون، وتعزيز مبدأ الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشعار المواطن بأن الجميع يخضع للعدالة دون استثناء أو حماية أو انتقائية.
وفي النهاية، تبقى الأسئلة معلقة أمام الرأي العام: هل ما نشهده اليوم هو صحوة ضمير متأخرة لبعض المسؤولين؟ أم أنه صراع نفوذ يُدار عبر الإعلام والمنصات المختلفة؟ وهل المقصود حماية الوطن من الفساد، أم إضعاف الحكومات وتعميق فقدان الثقة بين الدولة والمواطن؟ إنها أسئلة مشروعة تنتظر إجابات واضحة وصادقة، لأن الأوطان لا تُبنى بالهمس المتأخر، ولا تُحمى بتبادل الاتهامات، بل بالمصارحة والمسؤولية والعمل الوطني الحقيقي.


























