د. وليد العريض يكتب: احب ترامب لانه كشف عورة العالم
نبأ الأردن -
قد يبدو السؤالُ، في زمنٍ تُوزَّع فيه الوطنيةُ كما تُوزَّع نشراتُ الأخبار، نوعًا من الخيانة العاطفية أو الجنون السياسي: كيف يحبُّ عربيٌّ ترامب؟
وكيف يمكن لرجلٍ يرى غزة تُذبح على الهواء مباشرة ويسمع صراخ الأطفال تحت الركام، أن ينطق باسم ترامب دون أن يسبقه اللعن؟
لكنّ الحكاية ليست حكايةَ قلبٍ وقع في غرام رجلٍ أشقرَ يتعامل مع العالم كما يتعامل تاجرُ مواشٍ مع قطيعٍ في سوقٍ رخيص.
المسألة أعمق وأخبث وأكثر سخرية.
إنها حكايةُ رجلٍ دخل المسرحَ الدوليَّ بلا مساحيق، ففضح وجوه الممثلين جميعًا.
لقد أحببتُ ترامب… لأنّه لم يكن منافقًا بما يكفي.
كان فظًّا، متعجرفًا، نرجسيًّا، يتحدث عن الدول كما يتحدث سمسارُ عقاراتٍ عن شققٍ معروضة للبيع، لكنّه - ويا للمفارقة - كان أقلَّ كذبًا من أولئك الذين يتحدثون عن الحرية وحقوق الإنسان بأصابعَ ملوثةٍ بدم الشعوب.
مع ترامب، لم نعد بحاجة إلى مترجمٍ لفهم الإهانة.
كان يقولها كما هي:
هذه الدولة تُشترى وهذه تُبتز وهذا الحاكمُ يرتجفُ كموظفِ استقبالٍ أمام مكالمةٍ من البيت الأبيض وهذا يبيع وطنه بالتقسيط مقابل صورةٍ تذكارية وابتسامةٍ أمريكية باردة.
كان ترامب أشبهَ بمخبرٍ سكيرٍ دخل حفلةً دبلوماسيةً راقية، ثم بدأ يصرخ بأسماء العاهرات واللصوص أمام الجميع.
فانكشف المستور.
وسقطت مساحيقُ الوطنية عن وجوهٍ كثيرة.
ومع ترامب، ظهرت إسرائيل كما هي:
لا تلك "الديمقراطية الحالمة" التي يبيعها الإعلام الغربي كأنها ملاكٌ يوزع الورود في الشرق الأوسط، بل كائنٌ مذعورٌ يحمل قنبلةً نووية ويخاف من طفلٍ فلسطيني يحمل حجرًا وذاكرة.
لقد فعل ترامب ما لم يفعله ألفُ خطيبٍ من عالمنا.
فبوقاحته، أعاد فلسطين إلى مركز العالم.
حين وقف مع الاحتلال حتى آخر الوقاحة، أدرك كثيرون أن الحكاية لم تكن "نزاعًا معقدًا" كما يثرثر المحللون في الفنادق الفاخرة، بل احتلالٌ عارٍ مدعومٌ بإمبراطوريةٍ عارية.
ومعه اكتشفنا أن القانون الدولي ليس أكثر من فتاةِ ليلٍ عجوز، تتزين بالكلمات الجميلة نهارًا، ثم تذهب ليلًا إلى سرير الأقوياء.
وأن الأمم المتحدة، في كثيرٍ من اللحظات، ليست إلا ميكروفونًا ضخمًا للبكاء الرسمي، لا يمنع دبابةً ولا يوقف مجزرة.
كشف ترامب أن العالم لا يُدار بالأخلاق، بل بالمصالح، وأن كثيرًا من الحكام لا يحملون أوطانهم في قلوبهم، بل في حساباتهم البنكية.
وأن بعض العروش العربية تشبه كراسي المقاهي؛ تهتزُّ عند أول صراخٍ أمريكي، بينما شعوبٌ محاصرة تحت القصف ترفض أن تركع.
كان ترامب بلطجيَّ العالم الرسمي، نعم.
لكنّ بلطجته كانت مفيدةً أحيانًا؛ لأنها أيقظت الشعوب من تخدير الخطابات الناعمة.
فحين يصفعك رجلٌ علنًا، أفضل ألف مرة من رجلٍ يقبلك أمام الكاميرات ثم يطعنك في المطبخ الخلفي.
ومن أعظم فضائحه أنه كشف هشاشة "الإله الأمريكي".
فأمريكا التي كانت تُقدَّم كقدرٍ لا يُهزم، بدت أحيانًا مرتبكةً، غاضبةً، تصرخ أكثر مما تقنع، وتهدد أكثر مما تهيب.
ومع كل هذا الضجيج، كان شعبٌ صغيرٌ محاصرٌ في غزة يُربك الإمبراطورية بأكملها.
وربما كانت أعظم الصفعات التي كشفها ترامب هي هذه الحقيقة القديمة:
أن الأرض ليست مجرد تراب.
إنها شرفٌ وهويةٌ وذاكرةٌ وأمٌّ ثانية.
الفلسطيني الذي بقي فوق ركام بيته، جائعًا، محاصرًا، مطاردًا، لكنه رافضٌ أن يبيع أرضه، فضح عالمًا كاملًا يبيع كل شيء: النفط، الموانئ، القرار، الكرامة وحتى التاريخ.
لهذا… نعم، قد يقول بعضنا إنه "يحب ترامب".
لا لأنه إنسانٌ نبيل ولا لأنه رسولُ عدالة، بل لأنه، من حيث لا يدري، لعب دورَ الكاشف الكبير.
مزّق الستارة، وأضاء المصباح فوق الوجوه القبيحة وترك العالم واقفًا أمام مرآته… عاريًا تمامًا.

























