نضال المجالي يكتب: في العقبة وغيرها.. تجميل الخطر لا يلغي الانفجار
نبأ الأردن -
ليس كل ما يُلمّع يصبح آمنًا، وليس كل ما يُجمّل يفقد خطورته. الإشارة إلى "تحديث" أو "تجميل" لمستوعبات الخطر، سواء خزانات أو ساحات أو أرصفة تحمل أو تخزن أو تنتج أو تتعامل مع المواد الخطرة كانت أمونيا أو فوسفوريك أو أرصفة عائمة للمناولة أو نفطية وغيرها في المناطق الهشة، لقدم عمر ومواصفات بنائها أو سلوك إداراتها أحيانًا من قبل غير مختص أو قرب تقاطعها مع المجمعات السكنية والسياحية، هي ليست أكثر من محاولة لإعادة تغليف الخطر بلغة أكثر قبولًا، لكنها لا تغيّر من جوهره شيئًا.
فالقضية ليست في الشكل، ولا في اللون، ولا في التقنيات السطحية التي تُضاف، أو في نموذج خطة إدارة من يدير موقع الخطر، بل في حقيقة أنها لا تزال تحمل ذات المواد، في ذات الموقع الحساس، وتخضع لذات إدارة البيئة التشغيلية المليئة بالثغرات تفكيرًا وتنفيذًا، وحوادث مكررة ومدونة رسميًا تشير إلى كل ذلك.
من نقطة المباشرة تصنيعًا أو تعدينًا، مرورًا بمراحل النقل، وصولًا إلى مستودعات التخزين، وانتهاءً بتحميلها على بواخر الترحيل أو استقبالها لغايات التصنيع، نحن أمام سلسلة متصلة من المخاطر، لا يمكن فصل حلقاتها أو التقليل من أثرها. كل متر في هذا المسار هو مساحة محتملة للخطأ، وكل مرحلة تضيف طبقة جديدة من التعقيد. الحديث عن "نقاط وبوابات آمنة" داخل هذه السلسلة هو تبسيط مخلّ، لأن الخطر الحقيقي يكمن في الامتداد الكامل لنموذج إدارة الخطر، من أعلى رأس هرم أي شركة معنية إلى موظف الأمن على باب الدخول إليها، لا في لحظة واحدة أو موقع محدد.
الأخطر من ذلك هو محاولة تستر جهات الخطر خلف بيانات الأرباح العالية التي تحققها أو من خلال دعم البرامج والأنشطة المجتمعية. حين تُستخدم المسؤولية الاجتماعية كدرع ناعم لحجب واقع صلب من المخاطر، فإننا لا نمارس تنمية، بل نعيد إنتاج الخطر بشكل أكثر قبولًا. بناء ملعب هنا، أو دعم فعالية هناك، أو زراعة شجر فوق كتل هشة لا يعادل لحظة واحدة من تسرب لغاز، أو خطأ في إجراءات تحميل مادة شديدة التفاعل، أو انفجار لماء، فالمجتمع لا يحتاج إلى تعويضات تجميلية، بل إلى حماية حقيقية ومستدامة.
وفي قلب هذه المعادلة المعقدة استطاعت وزارة البيئة على مستوى الوطن ومفوضية البيئة في سلطة منطقة العقبة الخاصة على مستوى العقبة ومراكز الرقابة والتفتيش الرسمية المتخصصة على مستوى مناطق الخطر تحديدًا في أغلبها من الوقوف بأعلى مستويات الاهتمام والتفاعل المستمر، كجهات ما زال يُحمّلها من لا يعي الدور أن يرفعها لتكون خط الدفاع الأول. لكن السؤال الجوهري: هل تُمنح هذه الجهات الصلاحيات الفعلية التي تمكّنها من أداء دورها؟ بالتأكيد نعم. لكنها محاطة في كثير من الأحيان بحصار من الإجراءات وبشبكة لا تتوقف من "الاتصالات" و"التوصيات" و"الضغوطات" أو "الطبطبة" التي تُغلف بعبارة فضفاضة مثل "المصلحة العامة" وكأنها أصلًا عند مواجهة وردع الخطر بالقانون والأنظمة قد خالفت المصلحة؟.
هذه العبارة، التي يفترض أن تكون معيارًا لحماية الجميع، تحولت في كثير من الأحيان إلى مظلة لتبرير الطلب المستمر للاستثناءات، وضرورة تمرير القرارات، وتخفيف حدة الإجراءات. والمفارقة أن ما يُقدَّم على أنه "مصلحة عامة" لدى جهات "التوسط" قد يكون في حقيقته بعيدًا كل البعد عنها، بل وقد يكون على حسابها مباشرة.
حين تتدخل أطراف ومصالح في دور الجهات الرقابية وتسعى لتذويب قراراتها، وحين تُقيّد صلاحياتها كثيرًا باعتبارات غير فنية، فإن دورها يتحول من رقابي إلى شكلي. تصبح موجودة في التقارير، غائبة في التأثير. تكتب الملاحظات، لكنها لا تملك القدرة على فرض التغيير. تحذر، لكنها لا تستطيع الإيقاف. وفي بيئة مليئة بالمواد الخطرة، هذا النوع من "الرقابة الناعمة" لا يكفي، بل قد يكون جزءًا من المشكلة. وهنا وعلى وجه الخصوص في العقبة ووسط هذا الزحام من الضغوطات أتقنت مفوضية البيئة في سلطة منطقة العقبة وطواقمها المحترفة بكل مديرياتها إنهاء ومنع الوقوع في فخ التهاون المزين بالمصلحة، وقد نجحت مكررًا في السنوات الأخيرة في إنفاذ القوانين والإجراءات والعقوبات الحازمة في وجه مرتكبيها وذلك غاية تحقيق أعلى درجات السلامة العامة وهو ما يُغضب بالمقابل كل من ظنّ أن الاستثمار أقوى من حماية الإنسان.
المستقبل لا يُبنى بالنيات، ولا بالشعارات، ولا بالتصريحات المطمئنة. المستقبل يُبنى بقرارات صعبة، وبفصل واضح بين الاقتصاد والضغط، وبمنح الجهات المختصة صلاحيات حقيقية غير قابلة للالتفاف، وبتعيين أصحاب الاختصاص في السلامة العامة لا شخوص المصلحة. ولهذا إن لم تُمنح كافة الجهات الرقابية في ملف البيئة القدرة الكاملة على العمل بعيدًا عن أي تدخلات، وإن لم تُحمَ قراراتها من أي غطاء غير مهني، فإن الحديث عن مستقبل جميل سيبقى مجرد أمنية.
القضية اليوم لم تعد تحتمل المجاملة أو التأجيل لزمن جديد في ظل انتقال العقبة لمستوى البوابة اللوجستية الدولية. نحن أمام واقع يتطلب شجاعة في الاعتراف، وجرأة في التصحيح. لأن تجميل الخطر لا يمنع وقوعه، وتأجيل القرار لا يلغي نتائجه. وفي نهاية المطاف، حين تقع الكارثة، لن تنفعنا البيانات، ولا البرامج المجتمعية، ولا العبارات المنمقة. ما سينفع فقط هو ما كان يجب أن نفعله، ولم نفعل.
* مفوض البيئة والسياحة السابق في سلطة منطقة العقبة


























