د. دانا خليل الشلول تكتب: عن "النفقة" والملابس الرثة.. عندما يغتال "كيد الحضانة" طفولة المحضون
نبأ الأردن -
في ردهات المحاكم، نستميت لانتزاع أحكام بـ "النفقة"، ونحتفي بنصوص قانونية تُقرّ للطفل استحقاقه المادي، لكن السؤال المسكوت عنه، والذي يتهرب الجميع من مواجهته بجرأة: من يراقب "مسار القرش" من ذمة الأب إلى جسد الطفل؟ وكيف نضمن أنَّ هذا الحق لم يتحول إلى "ريع شخصي" أو أداة لتصفية حسابات كيدية وانتقامية؟
الملابس الرثة.. "بصمة الكيد" في عز الشتاء:
المشهد يتكرر بمرارة وتشفٍّ: أب ملتزم، يبذل من النفقة ما يفوق أحياناً "سلطة تقدير القاضي"، بل ويستزيد بشراء أجود الكساء بماله الخاص، ليُفاجأ في كل زيارة بعودة أطفاله بذات الأسمال البالية، الرثة، التي لا تقي صقيعاً ولا تليق بآدمية. نحن هنا لسنا أمام "عجز مادي"، بل أمام "سلوك قسري" تمارسه الحاضنة؛ حيث يُحظر على الطفل ارتداء ما اشتراه والده نكايةً به، وكأن لسان حالها: "سيبقى طفلك بصورة المشرد لتعيش أنت جحيم الذنب والمهانة".
اغتيال السواء النفسي وسوء التغذية "المقنّن":
إن الجريمة الكبرى تتجاوز الهندام لتضرب "السواء النفسي" للمحضون في مقتل. فحين يرى الطفل نفسه محروماً من ثيابه الجديدة التي اختارها والده بحب، ويُكره على ارتداء القديم والضيق، فإنه ينشأ في صراع هوية مرير؛ يشعر بالدونية وبأنه مجرد "رهينة" في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل.
هذا الإهمال العمدي غالباً ما يرافقه سوء تغذية وظيفي؛ حيث تُحرف النفقة أحياناً عن مائدة الطفل لتتحول إلى كماليات للحاضنة، فيظهر المحضون شاحباً وهزيلاً، هذا ليس فقراً، بل هو "تجويع وظيفي" يهدف لوسم الأب بالتقصير الإنساني، مما يغتال ثقة الطفل بنفسه وبأمان محيطه.
"إعادة التدوير الكيدي".. لغز اختفاء الملابس الجديدة:
إنَّ ظاهرة "تبخر" الملابس الجديدة وتكريس ظهور الطفل بالرثّ هي رسالة ضغط سيكولوجي خبيثة تقتل الطفل قبل والده. فبعض الأمهات الحاضنات هنا تستثمر في "بؤس المحضون" لاستدرار عطف المجتمع وتشويه صورة الأب، مهما بلغ إنفاقه، وهذا السلوك يزرع في وعي الصغير فقراً "مصطنعاً" تفرضه غطرسة العناد الشخصي، متجاهلةً الندوب التي تتركها هذه الدونية المصطنعة على كرامة الطفل أمام أقرانه.
استحالة الإثبات.. عجز القانون النظامي أمام "الإهمال المستتر":
وهنا تبرز المعضلة الكبرى؛ فبالرغم من أنَّ القانون في المحاكم النظاميّة يجرّم إهمال الطفل ويضع له عقوبات رادعة، إلا أنَّ إثبات هذا النوع من الإهمال "الهندامي" أو "الغذائي" يواجه درجة الاستحالة في التطبيق العملي، فالإهمال هنا يقع داخل "الصندوق الأسود" للحضانة، حيث يصعب قانونياً إثبات أنَّ الثياب الرثة هي "خيار كيدي" وليست "حاجة مادية" طالما أنَّ الحاضنة تدعي العوز، كما أنَّ غياب الرقابة اللحظية يجعل من نصوص حماية الطفل "حبراً على ورق" أمام ذكاء الكيد الأسري لدى البعض الذي يعرف كيف يمارس الانتهاك دون ترك أثر قانوني ملموس.
النفقة: حق للمحضون أم "شيك على بياض"؟
القانون ينص على أنَّ النفقة حق خالص للمحضون، لكن الواقع يفتقر لآليات "الرقابة على أوجه الصرف"، فهل يُعقل أن يرزح الطفل تحت وطأة الثياب الممزقة ووالده يرفد الحاضنة بمئات الدنانير؟ إنَّ حبس النفقة عن غايتها أو تبديدها على "برستيج الحاضنة" هو خيانة أمانة شرعية وقانونية، واعتداء صارخ على جوهر حقوق الإنسان والطفل التي نُنادي بها.
نحو "ثورة رقابية" في التشريع:
آن الأوان لتطوير تشريعات الأحوال الشخصية لتتجاوز "صرف الشيك" إلى "ضمان الأثر"؛ وذلك عبر منح الأب الحق في المطالبة ببيان أوجه صرف النفقة عند ثبوت الإهمال الظاهر مثل الشحوب، الثياب البالية، وضعف البنية، بالتوازي مع التفعيل الرقابي الاجتماعي من خلال تحويل مكاتب الإصلاح والوساطة الأسرية من "مكاتب ورقية ومكتبيّة" إلى جهات متابعة ميدانية لحالة الطفل الروحية والمادية، لضمان أنّ النفقة تُسكن جسد المحضون برداً وسلاماً، لا أن تبقى أرقاماً في حسابات بنكية جائرة يُحرم منها الطفل.
ففي النهاية النفقة ليست ضريبة "إذعان" يدفعها الرجل، وليست رفاهيّة للحاضنة، بل هي "ميثاق أمانة" في يد الحاضنة، ومن يتخذ من بؤس طفله وسيلة لكسر إرادة خصمه، فهو لا يمارس حقاً، بل يرتكب "جناية أخلاقية" بمرتبة خيانة عظمى للطفولة.

























