د. وليد العريض يكتب: النكبة… جرحٌ لا يشيخ
نبأ الأردن -
ليست النكبة تاريخًا يُروى فقط، ولا ذكرى تمرُّ كلَّ عامٍ ثم تمضي مع نشرات الأخبار والخطب الرسمية، بل هي جرحٌ مفتوح في قلب فلسطين والأمة، جرحٌ لم يلتئم منذ أن اقتُلعت القرى من جذورها وتحوّلت البيوت إلى رماد وصار المفتاح المعلّق على جدران اللاجئين شاهدًا على وطنٍ سُرق أمام أعين العالم.
النكبة ليست حدثًا انتهى عام 1948، بل زمنٌ طويل من الألم ما يزال مستمرا، ففي كلّ خيمة لاجئ وفي كلّ أمّ تنتظر ابنها وفي كلّ طفل فلسطيني يولد تحت الحصار أو الركام، تولد النكبة من جديد.
كانت فلسطين قبل النكبة تشبه أمًّا واسعة القلب؛ قراها تنام على رائحة القمح والزيتون ومدنها تعجُّ بالحياة والأسواق والأجراس والمآذن وكان الفلسطيني يعرف شجرته كما يعرف أسماء أبنائه. ثم جاءت النار؛ عصاباتٌ مدججة بالسلاح والحقد اقتحمت القرى، فصار الليل مليئًا بالصراخ والدخان وصارت الطرقات مزدحمة بالهاربين من الموت. خرج الناس وهم يظنون أن الغياب أيام قليلة ثم يعودون، فحملوا المفاتيح ولم يحملوا الأكفان، لكن الأيام تحولت إلى عقود وتحول الحلم بالعودة إلى وجعٍ يسكن الأجيال كلها.
والنكبة لم تكن فقط سرقة أرض، بل محاولة اقتلاع ذاكرة كاملة. أرادوا للفلسطينيٍّ أن ينسى اسم قريته، أن يتحول من صاحب أرض إلى رقم في مخيم ومن إنسان يزرع أرضه إلى لاجئ ينتظر كيس الطحين. لكنهم فشلوا في قتل الذاكرة؛ فالعجائز ما زلن يحفظن أسماء البيارات والينابيع والحارات القديمة والأطفال الذين لم يروا فلسطين يرسمونها في دفاترهم أكبر من الخرائط كلها وكأن الوطن ينتقل في الدم لا في الجغرافيا فقط.
هذا الجرح لا يشيخ لأن أسبابه ما تزال حية. فما أشبه الأمس باليوم؛ البيوت ما تزال تُهدم والقدس ما تزال تُحاصر وغزة تُذبح كل يوم أمام العالم واللاجئ الفلسطيني ما يزال يحمل حقيبته كأن الرحيل لم ينتهِ بعد. حتى القبور في فلسطين لم تسلم من الخوف؛ فالمحتل لا يكتفي بسرقة الأرض، بل يحاول سرقة الرواية والتاريخ والهوية. ولهذا تبدو النكبة كأنها زمن مستمر، لا ذكرى بعيدة.
والموجع أكثر أن هذا الجرح الفلسطيني الكبير تُرك طويلًا وحيدًا. كثيرون بكوا على فلسطين في الخطب، لكن فلسطين بقيت وحدها في الميدان. تحوّلت القضية عند بعض الأنظمة إلى شعار موسمي، بينما الفلسطيني وحده يدفع الثمن من دمه وبيته وعمره. ومع ذلك، بقي الفلسطيني متمسكًا بالحياة بصورة تكاد تشبه المعجزة؛ يزرع شجرة قرب الركام ويعلّم أبناءه تحت القصف ويرفع علمه فوق بيتٍ مهدد بالهدم وكأنه يقول للعالم كله: "قد تكسرون الجسد… لكنكم لن تنتزعوا الوطن من الروح".
النكبة جرحٌ لا يشيخ لأن الذاكرة الفلسطينية لم تمت ولأن الحق لا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن. فالمفتاح الذي يحمله اللاجئ ليس قطعة حديد قديمة، بل إعلان دائم أن للبيت بابًا سيُفتح يومًا وأن للغائب طريقًا سيعود منه. وكلّما ظنّ المحتل أن الأجيال الجديدة ستنسى، خرج طفل فلسطيني يحمل حجرًا أو علمًا أو حكاية جدته ليؤكد أن فلسطين لا تورَّث كأرض فقط، بل كعقيدة عشق وكرامة ووجود.
ولهذا ستبقى النكبة جرحًا حيًا، لكنها ستبقى أيضًا شاهدًا على شعبٍ لم يمت رغم كل محاولات الاقتلاع. فبعض الجراح لا تشفى لأنها أكبر من أصحابها وبعض الأوطان لا تضيع لأن أصحابها يحملونها في قلوبهم أينما ذهبوا. وفلسطين، رغم كل الدم والخذلان، ما تزال تنبض في وجدان الملايين كأنها القلب الأخير لهذه الأمة.

























