د. وليد العريض يكتب: من حكايات الغابة التي لا يستجيب فيها الدعاء

د. وليد العريض يكتب: من  حكايات الغابة التي لا يستجيب فيها الدعاء
نبأ الأردن -
"حين صافح الطاووسُ التنينَ… فاكتشف أن الريش لا يهزم النار" 
    ... 
لم تكن الزيارة إلى مملكة التنين مجرد محطة بروتوكولية تعبر فوق بساطٍ أحمر تحرسه الابتسامات الرسمية وعدسات الإعلام، بل كانت لحظةً بدت فيها الغابة وكأنها تشهد انتقال الشمس من جهة إلى أخرى وتحول موازين القوة من عالمٍ يترنح تحت ثقله وعنعنة غروره إلى عالمٍ جديد ينهض بثقة الجبابرة. 

دخل الطاووس الأشقر القاعة الكبرى مزهوًّا بريشه اللامع، معتادًا أن تهتزّ أمامه أوكار الغابة وأن تنحني له الحيوانات قبل أن يمدّ مخالبه للمصافحة، فهو الذي طالما استخدم يده كوسيلة استعراض وهيمنة، يضغط بها على أيدي خصومه كأنه يعلن تفوقه عليهم أمام عدسات الببغاوات، غير أنّه هذه المرة اصطدم بتنينٍ لا يهتز، تنينٍ وقف بهدوء الجبال ومدّ يده بثقة من يعرف أن المستقبل يقف خلفه، فحاول الطاووس أن يفرض إيقاعه المعتاد، لكن يد التنين بقيت ثابتة كالسور العظيم، وفي تلك اللحظة شعرت الغابة أنّ الريش مهما تلألأ لا يستطيع أن يخيف النار. 

أما ثعلب الخارجية، فقد بدا وكأنه خرج من كهفٍ قديم ليرى الحضارة لأول مرة، فما إن رفع عينيه نحو سقف القاعة حتى تجمدت دهشته على ملامحه وظل يلتفت حوله كمن اكتشف عالماً لم يكن يتخيل وجوده، الأعمدة ترتفع كأنها أشجار خالدة والزخارف تمتزج فيها عراقة التاريخ مع ضوء المستقبل، حتى إنه التفت إلى رفيقه وهمس بصوتٍ مرتبك: "أين كنّا نعيش نحن؟"  وكأن تلك اللحظة كانت اعترافاً صامتاً بأن الغابة القديمة لم تعد وحدها مركز العالم. 

ولم يكن الذهول حكرًا على الساسة وحدهم، فحتى ذئب التكنولوجيا، الذي يتحدث دائمًا عن المريخ والمستقبل وهيمنة الآلة، بدا هذه المرة مأخوذًا بسحر المكان، فقد دخل القاعة بثقة المعتاد على إبهار الجميع، لكنه ما لبث أن أخرج هاتفه وبدأ يصوّر الجدران والسقف والأضواء كطفل يرى العجائب لأول مرة وكانت تلك الصورة أبلغ من آلاف التصريحات، لأن انبهار ذئب المستقبل لم يكن انبهارًا عابرًا، بل كان اعترافًا غير معلن بأن الغابة تغيّرت وأن من كان يظن نفسه سيد الزمن بدأ يكتشف أن عجلة التاريخ تدور بعيدًا عن أوكاره القديمة. 

وفي نهاية المشهد، حاول الطاووس أن يغادر متماسكًا أمام الببغاوات التي تواصل التصفيق، لكن الحيوانات كانت قد فهمت الرسالة، فالأسود تعرف متى يهتز العرش والبوم يرى ما لا تراه الطواويس تحت أضواء المسرح، أما التنين فقد عاد إلى عرشه بهدوء الواثق، لأنه يدرك أن الإمبراطوريات لا تبدأ بالسقوط حين تخسر معركة، بل حين تنظر إلى خصومها بدهشة وخوف لأول مرة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions