د.حسن براري يكتب : ذكرى النكبة
نبأ الأردن -
من طرد الفلسطينيين؟
هل صحيح أن اليهود لم يطردوا الفلسطينيين عام 1948؟
في البيت الأحمر في إحدى ضواحي تل أبيب، وفي عصر يوم أربعاء بارد الموافق 10 مارس 1948، وضعت مجموعة مكونة من أحد عشر رجلًا (تضم قادة صهيونيين قدامى من ضباط عسكريين وشباب) اللمسات الأخيرة على خطة لتطهير فلسطين عرقيًا.
وفي مساء اليوم نفسه، أُرسلت الأوامر إلى الوحدات على الأرض للاستعداد لتنفيذ عملية طرد ممنهجة للفلسطينيين من مناطق واسعة في البلاد. وأُرفقت الأوامر بوصف مفصل للأساليب الممكن استخدامها لطرد السكان بالقوة، ومنها مثلا: إثارة الرعب على نطاق واسع، ومحاصرة القرى والمراكز السكانية وقصفها، وحرق المنازل والأملاك والبضائع، والطرد، وهدم البيوت والمنشآت، وأخيرًا زرع الألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم. كما تم تزويد كل وحدة بقائمة تتضمن أسماء القرى والأحياء المحددة كأهداف ضمن الخطة الكبرى المرسومة، التي حملت الاسم الرمزي "الخطة داليت"، اي الخطة دال، وبالعبري تُخنيت داليت.
في الآونة الأخيرة، ظهرت شخصية اقتصادية معروفة على إحدى القنوات التلفزيونية يدعي أن الفلسطينيين غادروا أراضيهم عام 1948 بناءً على طلب القادة العرب الذين استخدموا مكبرات الصوت والميكروفونات لدعوتهم إلى ذلك. وقد أثار هذا الادعاء جدلًا واسعًا، وتلقيت تعليقات كثيرة تؤكد صحته، بينما قال أحدهم إن "سيده" من اللد أخبره بالرواية نفسها. ومع ذلك وللمفارقة فإن سقوط اللد والرملة تحديدًا أبقى نحو سبعين ألف فلسطيني في المدينتين، إلى أن ذهب إيغآل ألون، قائد البلماخ اليهودي برفقة ضابط برتبة نقيب يدعى إسحاق رابين، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء، إلى ديفيد بن غوريون ليسألاه عما ينبغي فعله بالسكان، فأجاب: "اطردوهم!" رافعا كف يده مطلقا اشارة اطردوهم، وكان المؤرخ بني موريس قد وثق هذه اللحظة وقال بأن بن غوريون استخدم لفظ عبري "غوريش اوتام" أي اطردوهم!
الصحفي الأيرلندي إيرسكين تشايلدرز (Erskine Childers) كشف زيف هذا الادعاء في مقال شهير نشره عام 1961. فقد أوضح تشايلدرز أنه، بعد مراجعة تسجيلات الإذاعات من تلك الفترة لم يجد أي دليل يدعم هذه الرواية. ويضيف أنه على العكس من ذلك قد أكدت الوثائق أن الإذاعات العربية كانت تحث الفلسطينيين على البقاء في منازلهم ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وهذه الحقيقة تناقض الرواية الإسرائيلية التي تزعم أن الفلسطينيين غادروا بإرادتهم استجابةً لنداءات القادة العرب.
نكبة الفلسطينيين تمثلت بطرد أكثر من 800 ألف فلسطيني من مجتمع لم يتجاوز عدده حاجز المليون و400 ألف.
دوافع إسرائيل لإنكار مسؤوليتها عن التهجير:
1. تزعم إسرائيل أن الفلسطينيين تركوا أراضيهم طوعًا أو استجابة لدعوات من القادة العرب، بهدف نفي أي مسؤولية عن التهجير القسري. وترى إسرائيل أن الاعتراف بمسؤوليتها عن تهجير الفلسطينيين يشكل تهديدًا للسردية التي تستند إليها شرعية الدولة، إذ يُظهرها ككيان قام على أنقاض مجتمعات فلسطينية طُردت بالقوة.
2. الخوف من مطالبات العودة والتعويض إذ يعد بمسؤوليتها عن النكبة مدخلًا لمطالب اللاجئين الفلسطينيين بحق العودة أو الحصول على تعويضات، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا لهويتها اليهودية.
الحفاظ على صورة الحركة الصهيونية
3. الإقرار بالنكبة سيضر بالصورة الأخلاقية للحركة الصهيونية، التي تقدم نفسها كمشروع انساني وعادل.
4. التشبث بالرواية التاريخية، فإسرائيل تتمسك بروايتها التاريخية التي تصور النكبة كحدث عرضي غير مقصود، إذ تخشى أن يؤدي الاعتراف بخلاف ذلك إلى تقويض شرعيتها على المستوى الدولي.
5. الضغوط السياسية الداخلية، فهي تواجه معارضة داخلية قوية وبخاصة من التيارات القومية والدينية تجاه أي اعتراف بمسؤوليتها عن النكبة، فالاعتراف يعني تحمل المسؤولية وهذا بدوره يهدد الهوية اليهودية.
بكلمة، على الرغم من الإنكار الرسمي، تؤكد العديد من الدراسات، بما في ذلك أبحاث المؤرخين الجدد مثل بيني موريس وإيلان بابيه أن تهجير الفلسطينيين كان جزءًا من سياسة متعمدة تهدف إلى خلق أغلبية يهودية في الدولة الناشئة.
وبما أننا نستذكر اليوم نكبة الفلسطينيين استهجن ظهور هذه الشخصيات التي تقدم سردية متطابقة مع سردية صهيونية انقلب عليها الكثير من المؤرخين الإسرائيليين!


























