محمد ابو اعمر يكتب: القدس في يوم "الأعلام": سيادة الحديد والدم.. وتيه الغرف المغلقة
نبأ الأردن -
عمان - القدس المحتلة محمد أبوأعمر
بينما ترتجّ حجارة "باب العامود" تحت وطأة البساطير العسكرية، وتتحول أزقة البلدة القديمة إلى ثكنةٍ يُحاصر فيها صاحب الأرض داخل جدران منزله، تبرز المفارقة الأكثر إيلاماً في الوجدان الفلسطيني. في يوم "مسيرة الأعلام"، لا تكتفي جماعات المستوطنين برفع القماش فوق رؤوس المقدسيين، بل تمارس طقوساً من "الاستباحة الوجودية" التي تهدف إلى مسح ملامح المدينة العربية بقوة النار والترهيب
ميدان الاستباحة: عندما يُسجن المقدسي في عاصمته
يتحول يوم الخميس في القدس إلى "كرنفال كراهية" منظم؛ حيث يُفرض الإغلاق القسري على المحال التجارية، وتُشلّ حركة التنقل، ليُترك الشارع ساحةً مفتوحة لهتافات عنصرية تطالب بالموت لغير اليهود]. الاعتداءات لا تتوقف عند اللفظ؛ بل تمتد لتطال الأجساد والممتلكات، في محاولة لترسيخ رسالة مفادها أن السيطرة لم تعد قانونية فحسب، بل هي "سيادة ميدانية" تُمارس بالضرب، والإهانة، وتحطيم سكان المدينة والأيقونات الوطنية. هذا المشهد ليس مجرد احتفال عابر، بل هو أداة أمنية لتهجير المقدسي نفسياً ومكانياً، وإفهامه بأن وجوده في هذا الفضاء هو مجرد "خطأ" يعمل الاحتلال على تصحيحه.
المؤتمر الثامن: انتحار الرمزية في غرف الصمت
وفي اللحظة التي تبلغ فيها هذه الاستباحة ذروتها، يبرز المشهد الموازي الذي يثير تساؤلات حارقة حول شرعية التمثيل؛ حيث تنشغل قيادة حركة فتح في "قاعات مغلقة" بانعقاد مؤتمرها الثامن. هذا التزامن يمثل انسلاخاً سياسياً ونضالياً خطيراً؛ ففي الوقت الذي يحتاج فيه المقدسي إلى "غطاء وطني" يحميه ويقود اشتباكه الميداني، يجد نفسه وحيداً، بينما تلتفت الحركة إلى ترتيب أوراقها الداخلية وحصصها التنظيمية .
الانفصال العضوي: إن عقد مؤتمر سياسي بعيداً عن "مركز الفعل" في شوارع القدس يُفقد الخطاب الوطني مضمونه، ويجعل من المصطلحات الكبرى مثل "القدس خط أحمر" مجرد أصداء فارغة داخل غرفٍ مكيفة .
• خطر التهميش: إن قبول انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت يعزز الانطباع بأن المدينة قد تم "انتزاعها تدريجياً" من السياق الوطني الرسمي، لتُترك فريسة لمشروع إحلالي يتقدم بثقة أمام صمت القاعات .
الخلاصة: الحقيقة العارية
إن الضرر الذي يلحق بالحركة الوطنية اليوم لا يقل خطورة عن فعل المستوطنين؛ فالتجاهل أو التأجيل في مواجهة لحظات الحسم التاريخية يمنح الاحتلال "شرعية الفراغ" . بين أعلامٍ تُرفع كرموز للاحتلال، ومؤتمراتٍ تُعقد كرموز للاغتراب، يبقى المقدسي وحده حارس الرواية، يواجه بصدره العاري مشروعاً يسعى لشطب تاريخه، في وقتٍ تبدو فيه القيادة وكأنها اختارت أن تراقب "مسرحية الرماد" من مقاعد المتفرجين .
في ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم موجهاً لكادر الحركة وقواعدها: هل يمكن لنتائج مؤتمر تنظيمي أن تُرمم ما كسرته لحظة الغياب عن ميدان باب العامود؟
إن تزامن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح مع "مسيرة الأعلام" الاستيطانية ليس مجرد خطأ في التنسيق، بل هو "ثغرة استراتيجية" ستنهشها الماكينة الإعلامية الإسرائيلية والحركات السياسية المنافسة على حد سواء.
كيف سوف يتم استغلال هذا التوقيت لضرب ما تبقى من رمزية الحركة:
أولاً: الإعلام الإسرائيلي.. "السيادة المطلقة وفشل البديل"
سيعمد الإعلام العبري إلى استغلال هذا المشهد لترسيخ رواية "انتصار السيادة" من خلال عدة محاور:
• تكريس "التطبيع مع الواقع": سيصور الإعلام الإسرائيلي المشهد كدليل على أن القيادة الفلسطينية الرسمية قد "سلّمت" جهاراً بسيادة الاحتلال على القدس. سيقولون: "بينما نحن نرقص بالأعلام في قلب القدس، هم منشغلون بتوزيع المناصب في الغرف المغلقة"
• إظهار الانقسام بين "القيادة والشارع": سيركز المحللون الإسرائيليون على صورة المقدسي المعتدى عليه في باب العامود مقابل صورة القائد في المؤتمر وهو يرتدي بذلته الأنيقة. الهدف هو القول بأن هذه القيادة لم تعد تمثل "المرابطين" في الشارع، بل أصبحت "جهازاً إدارياً" منفصلاً عن الصراع].
• السخرية من "الخط الأحمر": سيتم الاستهزاء بمصطلح "القدس خط أحمر"؛ فكيف تكون خطاً أحمر والقدس تُستباح ميدانياً والقيادة تغلق على نفسها الأبواب لنقاشات داخلية؟
ثانياً: الحركات السياسية المنافسة.. "الهروب من المواجهة"
ستجد الحركات الفلسطينية الأخرى (وعلى رأسها حماس والجهاد والجبهة الشعبية) في هذا التزامن مادة دسمة لتعميق أزمة الشرعية لدى فتح:
• اتهامات بـ "الهروب الوطني": سيتم وصف المؤتمر بأنه "هروب إلى الأمام" من استحقاق المواجهة الميدانية .سيتم الترويج لفكرة أن الحركة فضلت "ترتيب بيتها الداخلي" على حماية "بيت المقدس"
• تعزيز رواية "الاستسلام": ستستغل هذه الحركات المشهد للقول بأن مسار "التسوية والمهادنة" وصل إلى طريق مسدود، بدليل أن الحركة لا تجرؤ حتى على تأجيل مؤتمرها للاشتباك مع المستوطنين.
• استقطاب القاعدة الشبابية: سيوجهون خطابهم لشباب فتح الميدانيين قائلين: "قيادتكم في رام الله تُثبت كراسيها، بينما أنتم في القدس تُداس كرامتكم بالأقدام". هذا سيؤدي إلى تآكل القاعدة الشعبية للحركة لصالح قوى "الفعل الميداني"
ثالثاً: الأثر الاستراتيجي.. "إعدام الرواية الوطنية"
الضرر الأكبر يكمن في كيفية ظهور القدس في الوعي الجمعي العالمي والمحلي:
• تحويل القدس إلى "قضية محلية": عندما تغيب القيادة الرسمية عن الميدان في يوم الحسم الرمزي، يتحول المقدسي من "جندي في معركة وطنية" إلى "ضحية اعتداء محلي" يبحث عن لقمة عيشه أو حماية محله التجاري وحيداً
• رسالة الضعف الاقتصادي: في وقت يعاني فيه الناس من فقر مدقع وتوقف الرواتب وارتفاع جنوني في الأسعار . يأتي المؤتمر ليظهر وكأنه بذخ سياسي في وقت المجاعة الاقتصادية والميدانية
إن انعقاد المؤتمر في هذا اليوم يمنح الاحتلال "شرعية الصمت" ويمنح المنافسين "شرعية البديل". فالقدس لا تُحمى بالبيانات الختامية التي تُتلى من خلف الميكروفونات، بل تُحمى بالوجود الجسدي والسياسي الذي يكسر رقصة الأعلام في أزقة البلدة القديمة
• سيتم النظر إلى أي بيان ختامي للمؤتمر على أنه "بيان من كوكب آخر"، لا يشعر بحرارة الغاز المسيل للدموع ولا بصراخ النسوة اللواتي يُدفعن في أزقة البلدة القديمة ليمرّ مستوطن يلوح بعلمه.
إن وصف هذا التوقيت بأنه "سوء تقدير" هو في الحقيقة تشخيصٌ لمرضٍ أعمق في جسد التنظيم؛ فهو ليس مجرد خطأ في "الأجندة" أو المواعيد، بل هو خطيئة استراتيجية تمنح الخصوم نصراً مجانياً وتترك جرحاً غائراً في وجدان المقدسيين.
في عالم السياسة، غالباً ما يكون "سوء التقدير" المتكرر هو تعبير عن فقدان البوصلة. إن عقد المؤتمر في هذا اليوم هو بمثابة "إعلان استقالة" من الدور الطليعي في القدس، وترك المدينة لتواجه قدرها بمفردها أمام آلة إحلالية لا ترحم.
إن "سوء التقدير" هذا لن يمر كحدث عابر، بل سيُسجل في التاريخ كـ "اللحظة التي قررت فيها القيادة أن تنكفئ على ذاتها، تاركةً خلفها عتبات القدس تئن تحت وطأة مسيرة الأعلام."


























