د. وليد العريض يكتب:البئر الذي شربت منه الغابة… ثم حوّلته الوحوش إلى مغسلةٍ لأيديها القذرة
نبأ الأردن -
في قلب الغابة العتيقة، حيث كانت الأشجار تتعانق كأنها أمةٌ واحدة، كان هناك بئرٌ قديم تُروى حوله الحكايات وتُقاس به حياة الغابة ومصيرها.
كانت الحيوانات تأتي إليه مع الفجر؛ الغزلان تشرب منه بهدوء، والعصافير تحلّق فوقه مزهوّة بصفائه، وحتى الأسود كانت تقف عنده بخشوعٍ غريب، لأنها تعلم أن الماء النظيف هو سرُّ بقاء الغابة. يومها كان الجميع، رغم اختلاف الطباع والأحجام، يدرك أن البئر ليس ملكًا لحيوان بعينه، بل روح الغابة كلّها.
ولذلك ظلّ الماء صافيًا وكانت الغابة، رغم صراعاتها الصغيرة، قادرة على الحياة والاستمرار.
لكنّ المصيبة بدأت حين اكتشفت الحيوانات الماكرة أن البئر لا يكشف الوجوه فقط، بل يخفي الأوساخ أيضًا. فجاء الثعلب أولًا وغسل في الماء آثار الحيل التي مارسها على الحيوانات الضعيفة، ثم خرج يتحدث عن الشرف والأخلاق وكأنه نبيُّ النزاهة في الغابة. وبعده جاء الضبع، يغسل بقايا الدماء عن مخالبه، ثم يقف أمام الجموع خطيبًا عن العدالة وحماية الفقراء. أما القرد، فكان الأكثر مهارة في الخداع؛ يصفّق فوق الصخور، ويرقص قرب البئر، ويصرخ طوال الوقت: "الماء بخير… الماء أنقى من أي وقت مضى، رغم أن الرائحة كانت قد بدأت تزحف من البئر نحو أطراف الغابة كلها.
ومع مرور الزمن، تحوّل البئر من مصدر حياة إلى ساحة ازدحام قذرة. النسور جاءت تغسل مناقيرها من دم الفرائس ثم ترفع شعارات الرحمة، والثعابين راحت تفرغ سمومها في الماء ثم تعقد مؤتمرات عن السلام والتعايش والخنازير البرية تدحرجت في الوحل ثم ألقت اللوم على المطر، بينما الببغاوات، التي لا تفهم شيئًا سوى الترديد، أخذت تصرخ ليل نهار: "الغابة بخير… والبئر بخير" حتى صدّقت نفسها، رغم أن الأسماك الصغيرة كانت تموت داخله بصمت.
أما الحيوانات البسيطة، فقد كانت أول من دفع الثمن. الغزلان لم تعد تجد ماءً نقيًا لصغارها والأرانب صارت تشرب بخوفٍ كأنها ترتكب جريمة والعصافير هجرت الأغصان القريبة بعدما فقد البئر صورته السماوية القديمة. حتى الحمير، التي حملت أثقال الغابة سنوات طويلة دون شكوى، بدأت تشعر أن التعب لم يعد من الحمل وحده، بل من سماع الأكاذيب ذاتها كل يوم؛ فالثعلب يعد بالإصلاح والضبع يعد بالأمن، والقرد يعد بالنهضة، بينما الماء يزداد عكارةً والروائح تزداد اختناقًا.
وفي إحدى الليالي اقترب أسدٌ عجوز من البئر، كان صامتًا منذ سنوات، فنظر طويلًا إلى الماء ثم قال بصوتٍ مكسور: "لم يفسد البئر بسبب العطاش، بل بسبب الوحوش التي جاءت لتغسل أيديها القذرة فيه." لكنّ أحدًا لم يهتم بكلامه؛ فالطبول كانت أعلى من صوته والببغاوات كانت مشغولة بترديد أناشيد تمجيد الغابة العظيمة والثعالب كانت قد أقنعت الجميع أن المشكلة ليست في الماء، بل في الحيوانات التي تجرؤ على الحديث عن عكارته.
وكان أكثر المشاهد سخريةً هو مجلس حكماء الغابة. كانوا يجتمعون كل أسبوع قرب البئر، يناقشون لساعات طويلة أسباب تغيّر لون الماء، ثم ينتهون بتشكيل لجنة جديدة لدراسة الأزمة وبعد انتهاء الاجتماع يغسل كلُّ واحدٍ منهم يديه في البئر قبل أن يغادر مبتسمًا وكأن المشكلة لا علاقة لها بهم أصلًا. أما القرد، فكان يخرج بعد كل اجتماع ليعلن أمام الحيوانات أن المجلس حقق إنجازًا تاريخيًا في حماية الماء، بينما كانت الضفادع تحتفل داخل المستنقع لأنها الوحيدة التي ازدهرت في زمن العفن.
ومع مرور الأيام، بدأت بعض الحيوانات تفقد إيمانها بالغابة نفسها. الطيور هاجرت نحو غابات بعيدة والقنافذ أغلقت جحورها على خوفها والذئاب الصغيرة صارت تحلم بالهرب بدل الحراسة، حتى الأشجار بدت حزينة؛ أوراقها أقل خضرة وظلالها أقل دفئًا وكأنها فهمت أن الغابة التي يتعكّر بئرها يبدأ موتها من الداخل قبل أن يراه أحد من الخارج،
لكنّ بومةً عجوزًا كانت تراقب المشهد من فوق شجرة بعيدة قالت ذات مساء: "البئر لا يموت… الذي يموت هو ضمير الحراس." ثم أضافت وهي تحدّق في الحيوانات المتزاحمة حول الماء: "حين تمنعون الأيدي القذرة من لمس البئر، سيعود الماء نقيًا كما كان".
ضحك منها القرد وسخر منها الثعلب واتهمها الضبع بأنها تنشر التشاؤم وتسيء إلى سمعة الغابة، لكن بعض العصافير الصغيرة ظلّت تحفظ كلماتها في قلوبها، لأنها أدركت أن الغابة لا ينقذها الصراخ، بل الصدق.
وهكذا بقيت الغابة معلّقة بين احتمالين: إما أن تستمر الوحوش في غسل أيديها القذرة في ماء الجميع حتى يتحوّل البئر إلى مستنقع كامل، وإما أن تستيقظ الحيوانات الصامتة أخيرًا، فتطرد العابثين وتنظف الماء، وتعيد للبئر معناه الأول؛ أن يكون مصدر حياةٍ لكل الغابة، لا مغسلةً لأوساخ الأقوياء.


























