م.صلاح طه عبيدات يكتب :صوفية التناقض
نبأ الأردن -
في بيتنا المعتق بنسائم الشوق...
حيثُ تستريحُ القريةُ على كتفِ التلال،
وتنام الحكايات القديمة على شفاه الورود...
ويغفو الصباحُ بينَ أوراقِ الزيتون،
كانت الأرواحُ تستيقظُ قبل الأجساد...
كأنَّ للفجرِ بابًا سرّيًا
لا يفتحهُ إلا المؤمنونَ بالجمال.
هناك...
تتسلّلُ رائحةُ القهوةِ من المطبخِ العتيق
مثل دعاءِ أمٍّ خفيّ،
وتتمدّدُ فوقَ الطاولةِ كتبٌ
أكلَ الضوءُ أطرافَ صفحاتِها
من كثرةِ ما لامستها الأيدي الحالمة.
الداليةُ العتيقةُ
كانت تحفظُ أسماءَ العابرين،
والعصافيرُ الصغيرةُ
تكتبُ على الهواءِ أناشيدَها المجانية،
بينما الزيتونُ
يقفُ كشيخٍ حكيم
يباركُ النهارَ بصمت.
وفي تلكَ اللحظاتِ
كان القرآنُ ينسابُ في البيتِ
مثلَ نهرٍ من الطمأنينة،
ثم تأتي فيروزُ
لتكملَ ما بدأتهُ السماء...
فلا نعرفُ
أكان الصوتُ صلاةً أخرى
أم جناحًا إضافيًا للروح.
أنا ابنُ هذا التناقضِ الجميل؛
صوفيٌّ
تسكنُهُ خضرةُ الأرضِ
وحُمرةُ القلب،
أبحثُ عن اللهِ
في سجدةٍ طويلة،
وفي وردةِ جوريٍّ
تبلّلها ندى الفجر.
وحين تهبُّ الريحُ
أسمعُ قلبي
يردّدُ ترويدةً قديمة،
مطرّزةً برائحةِ البنّ،
وملفوفةً بشيءٍ من الحنين...
ذلك الحنينُ
الذي يجعلُ الإنسانَ
يبكي دونَ أن يعرفَ السبب.
ما أعظمَ الفجرَ
حين يوقظُ فينا خشوعَ الأشياء؛
فنسبّحُ مرةً
ونهلّلُ مرات،
ونشعرُ أنَّ اللهَ
يمرُّ قريبًا جدًا
من نوافذِ القرى الهادئة...
ويتركُ على أرواحِنا
أثرًا من نور.


























