م.صلاح طه عبيدات يكتب :أبو يوسف السمكري… حين كان الفقر أكثرَ وقارًا من ضجيج العصر

م.صلاح طه عبيدات يكتب :أبو يوسف السمكري… حين كان الفقر أكثرَ وقارًا من ضجيج العصر
نبأ الأردن -
في القرى الأردنية القديمة، لم يكن الإنسان يُقاس بما يملك من مالٍ أو عقارات أو عدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بما يتركه من أثرٍ طيب في النفوس، وبمقدار الاحترام الذي يحمله الناس له وهو يغادر الحارة مع غروب الشمس.
كان "أبو يوسف السمكري” واحدًا من أولئك الرجال الذين عبروا ذاكرة القرى ببساطةٍ تشبه النبل الشعبي. يحمل صندوق أدواته المعدنية، ويجوب الطرقات الترابية من بيتٍ إلى آخر، يصلح "بابور الكاز”، ويلحم الأواني القديمة، ويعيد للحياة أشياءَ كانت العائلات ترى فيها جزءًا من يومها ودفئها ومعيشتها.
لم يكن موظفًا رسميًا، ولا صاحب شركة، ولا من أصحاب الشهرة الحديثة، لكنه كان معروفًا أكثر من كثيرٍ من مشاهير هذا الزمن. كان الناس يعرفون صوته قبل أن يروه: "مصلّح بوابير الكاااز…”
ذلك الصوت لم يكن مجرد إعلان عن مهنة، بل جزءًا من الإيقاع الاجتماعي للقرية. الأطفال يركضون خلفه بفضولهم البريء، والنساء يخرجن يحملن البوابير المعطلة، والرجال يدعونه إلى كأس شاي أو لقمة غداء، وكأن حضوره مناسبة صغيرة تعيد دفء العلاقات بين الناس.
كان أبو يوسف فقيرًا… نعم، لكن فقره لم يكن مهينًا. كانت ثيابه ملطخة بالسخام ورائحة الكاز، ووجهه يحمل آثار التعب والترحال، لكنه ظل محتفظًا بهيبته الإنسانية. لم يمتلك سيارة حديثة، ولا بيتًا فاخرًا، ولا أرصدة في البنوك، لكنه امتلك شيئًا أصبح نادرًا في هذا الزمن: الاحترام الفطري.
لقد عرف أهل القرية جميعًا… بالأسماء والملامح والظروف. عرف أحزانهم وأفراحهم، واطّلع بحكم دخوله البيوت على كثيرٍ من التفاصيل الخاصة، لكنه لم يتحول يومًا إلى ناقل أسرار أو صانع فضائح أو متطفل على خصوصيات الناس. كان يرى كثيرًا… ويصمت أكثر.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
ففي زمن أبي يوسف السمكري، كان الإنسان البسيط أكثر التزامًا بأخلاق المجتمع من كثيرٍ من المتعلمين وأصحاب الشهرة اليوم. أما في عصر Snapchat والبث المباشر واللهاث خلف "الترند”، فقد أصبح بعض الناس يقتحمون خصوصيات الآخرين بلا خجل، ويحوّلون الفضائح إلى محتوى، والسخرية إلى وسيلة للانتشار، والانحدار الأخلاقي إلى مادة للترفيه الرخيص.
السؤال الذي يطرح نفسه بسخرية موجعة: "ترى لو عاد أبو يوسف السمكري ووجدنا له حساب سناب شات؟”
هو سؤال لا يتعلق بأبي يوسف وحده، بل بمجتمعٍ كامل تبدلت معاييره.
هل كان ذلك الرجل البسيط سيصور وجوه الناس خلسة؟ هل كان سيبث أسرار البيوت التي عرفها؟ هل كان سيستغل ثقة الأهالي ليجمع المشاهدات والمتابعين؟ أم أنه كان سيصاب بالذهول من عالمٍ أصبحت فيه الشهرة أسرع من الأخلاق؟
لقد انتقلنا من زمن "المهنة رسالة” إلى زمن "المحتوى وسيلة للربح”، ومن مجتمعٍ يحفظ الستر والحياء إلى فضاءٍ إلكتروني يكافئ الوقاحة أحيانًا ويمنحها أضواءً وشهرة.
ولعل أكثر ما يدعو للتأمل أن أبا يوسف السمكري، رغم بساطته وربما أميته وقسوة حياته، كان يدرك بفطرته حدود الاحترام والحياء العام أكثر من كثيرٍ من أبناء العصر الرقمي.
إن استذكار شخصيات مثل أبي يوسف ليس مجرد حنين للماضي، بل مراجعة أخلاقية عميقة للحاضر. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بسرعة الهواتف الذكية ولا بعدد التطبيقات، بل بقدرة الإنسان على الاحتفاظ بإنسانيته وسط هذا الضجيج.
رحل أبو يوسف السمكري… لكن صوته ما زال يتردد في ذاكرة القرى القديمة: "مصلّح بوابير الكاااز…”
وكأن ذلك الصوت البعيد يهمس لنا اليوم: ليس كل ما يتطور… يصبح أكثر إنسانية.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions