محمد الخطيب يكتب:بين “الطبطبة” وإنكار الواقع… كيف نُسهم أحياناً في صناعة الأزمات؟
نبأ الأردن -
في كل مرة تقع فيها جريمة صادمة، أو تنتشر ظاهرة سلبية، أو يُكشف ملف فساد أو انحراف سلوكي أو أخلاقي، يبدأ جزء من الخطاب العام بالتحرك فوراً نحو مسار معروف ومكرر:
"هذه حالات فردية”…
"هذا لا يمثل مجتمعنا”…
"هذه أمور دخيلة علينا”…
"لا تضخموا الموضوع”…
ورغم أن الحرص على صورة المجتمع أمر مفهوم ومطلوب، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحرص إلى حالة من "الطبطبة” الجماعية، والتهرب من الاعتراف بوجود خلل حقيقي يحتاج إلى دراسة ومواجهة وعلاج.
فالمجتمعات لا تُقاس بقلة الأخطاء فيها، لأن الخطأ والجريمة والانحراف موجودة في كل المجتمعات البشرية، بل تُقاس بقدرتها على مواجهة مشكلاتها بشجاعة ووعي وشفافية، بعيداً عن الإنكار أو التجميل أو دفن الرأس في الرمال.
إن أخطر ما يمكن أن نمارسه بحق أي مجتمع هو تحويل كل ظاهرة خطيرة إلى مجرد "حادثة عابرة”، ثم الانتقال سريعاً إلى حالة دفاع عاطفي تمنع النقاش الحقيقي حول الأسباب والدوافع والحلول.
فعندما نرفض الاعتراف بوجود مشكلة، فإننا عملياً نؤجل علاجها ونسمح لها بالنمو بصمت حتى تتحول إلى أزمة أكبر وأكثر تعقيداً.
خذوا على سبيل المثال بعض القضايا المرتبطة بالعنف، أو المخدرات، أو الفساد، أو التفكك الأسري، أو المحتوى الهابط على منصات التواصل الاجتماعي.
كم مرة اكتفينا بالقول إنها "لا تمثلنا” دون أن نسأل: لماذا تتكرر؟ ما أسبابها؟
ما دور الاسرة، التربية والتعليم والإعلام والاقتصاد والبطالة والضغوط النفسية والاجتماعية؟
وأين الخلل في منظومة التوعية والرقابة والمتابعة؟
إن مجرد وصف المشكلة بأنها "دخيلة على المجتمع” لا يلغي وجودها على أرض الواقع، ولا يحمي أبناءنا من آثارها، ولا يوقف انتشارها.
بل أحياناً يتحول هذا الخطاب إلى وسيلة للهروب من المسؤولية الجماعية، وكأن الاعتراف بالمشكلة إساءة للوطن أو للمجتمع، بينما الحقيقة أن الإنكار هو الإساءة الأكبر.
المجتمع الواثق بنفسه لا يخشى النقد، ولا يخاف من كشف الخلل، لأنه يدرك أن الإصلاح يبدأ من الاعتراف أولاً، ثم التشخيص العلمي، ثم المعالجة الجادة.
أما المجتمعات التي تنشغل فقط بتلميع الصورة الخارجية، وتتجنب مواجهة الحقائق المؤلمة، فإنها تمنح المشكلات فرصة للتجذر والانتشار.
نحن لا نحتاج إلى جلد الذات، ولا إلى سوداوية مبالغ بها، ولا إلى تعميم يظلم مجتمعاً بأكمله بسبب أخطاء البعض.
لكننا في الوقت نفسه نحتاج إلى قدر أكبر من الصراحة والمسؤولية والشجاعة في مواجهة الظواهر السلبية، بعيداً عن المجاملة والإنكار والطبطبة.
فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بالوعي، والنقد المسؤول، والقدرة على مواجهة الأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث يصعب احتواؤها لاحقاً.


























