م.مدحت الخطيب يكتب: من عروس الشمال إلى حلم النشامى… ليلة انتصر فيها الأردن...

م.مدحت الخطيب يكتب: من عروس الشمال إلى حلم النشامى… ليلة انتصر فيها الأردن...
نبأ الأردن -
وانفض السامر الكروي أخيراً، بعدما خطف الحسين إربد لقب ...
الكأس للمرة الثالثة على التوالي باستحقاق، في ليلة لم تكن مجرد مباراة كرة قدم عابرة، بل كانت مشهداً وطنياً كاملاً، اختلطت فيه المشاعر بين الفرح، والحزن والتوتر والانتماء، وبين صورة جميلة أراد الأردنيون أن يقدموها لأنفسهم أولاً قبل غيرهم.

هناك، في عروس الشمال، تزينت الشوارع بعبارات الحب والانتماء لهذا الوطن، وتزينت المحال التجارية بأعلام الوطن وكلا الفريقين. قبل انطلاق المباراة، تجولت لأكثر من أربع ساعات في محيط مدينة الأمير الحسن الرياضية، أراقب التفاصيل الصغيرة التي لا تنقلها الكاميرات المشبوهة، ولا تكتبها منشورات مواقع التواصل الاجتماعي. هناك فقط، بعيداً عن ضجيج الصفحات والتعليقات الحادة، رأيت الحقيقة كما يجب أن تُرى؛ جماهير الحسين والفيصلي يجلسون جنباً إلى جنب، يتبادلون الأحاديث والضحكات، ويتناقشون في التشكيلات والحظوظ، ويختلفون بمحبة، كما يليق بجماهير كرة قدم تعرف أن المنافسة تنتهي مع صافرة الحكم، وأن الوطن يبقى أكبر من كل النتائج.

في تلك اللحظات، أدركت كم أن مواقع التواصل الاجتماعي قادرة أحياناً على تضخيم الخلافات وصناعة صورة مشوهة لا تشبه الشارع الأردني الحقيقي. فما رأيته على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً؛ شباب في عمر الورد، وعائلات جاءت لتفرح، ورجال أمن ينتشرون في كل مكان بهدوء ومسؤولية، وأجواء تؤكد أن الأردن ما زال قادراً على تقديم نموذج حضاري في التشجيع والانتماء.

تلقيت دعوات كثيرة من أصدقاء ومقربين داخل نادي الحسين لحضور المباراة من المدرجات، لكنني قررت هذه المرة أن أتابع اللقاء من خلف الشاشات، هرباً قليلاً من توتر المدرجات وضغط اللحظة، ورغم ذلك لم يكن القلب بعيداً عن الميدان. طوال دقائق المباراة، كانت عيني تلاحق كل لاعب يسقط على أرضية الملعب، خصوصاً نجوم منتخبنا الوطني، لأنهم بالنسبة لنا ليسوا مجرد لاعبين يرتدون قمصان الأندية، بل هم مشروع الفرح الحقيقي لهذا الوطن الذي طال انتظاره.

كنت أرى في كل التحام خوف الأردنيين على أحلامهم القادمة، فيكفينا فقد يزن وادهم ، ففي كل إصابة محتملة قلق شعب بأكمله ينتظر من النشامى أن يكتبوا التاريخ. فمهما بلغت قيمة البطولات المحلية، ومهما اشتعلت المنافسة بين الجماهير، يبقى المنتخب الوطني هو المساحة الوحيدة التي يذوب فيها كل شيء؛ لا فيصلي، ولا حسين، ولا وحدات، ولا رمثا، ولا سلط، ولا غيرهم… هناك فقط اسم واحد يجتمع عليه الجميع: الأردن.

الحسين إربد استحق اللقب، وقدم موسماً قوياً ملكياً أكد فيه أن العمل والاستقرار والطموح تصنع الفارق، وأن هذا الجهد لم يكن وليد صدفة. فريق أفرح قلوب ما يزيد على مليون ونصف أردني يوم أمس واستحق والتتويج. أما الفيصلي، فرغم مرارة الخسارة، يبقى رقماً صعباً وتاريخاً لا يمكن تجاوزه، وجل جماهيره يوم أمس أثبتت مرة أخرى أنها جزء أصيل من صورة الكرة الأردنية وهيبتها، وأن الصغار لا مكان لهم في سجلات الزعيم.

الأهم من كل ذلك، فهو أن المباراة مرت بصورة حضارية تليق باسم الأردن، بعيداً عن الفوضى والإساءات التي يحاول البعض تصديرها بحثاً عن التفاعل الرخيص.

انتهت بطولة الدوري، وأيام قليلة وينتهي الكأس، وسيهدأ الضجيج بعد ذلك، وستعود الجماهير إلى حياتها الطبيعية، لكن ما يجب أن يبقى في الذاكرة هو تلك الصورة الجميلة التي شاهدناها خارج المستطيل الأخضر؛ صورة الأردني الذي يختلف بحب، ويشجع بشغف، ثم يعود ليضع الوطن فوق الجميع.

واليوم، وبعد أن انفض السامر الكروي، لا نملك إلا أن نلتف حول حلم أكبر ينتظرنا جميعاً، حلم اسمه منتخب النشامى، علّ الأيام القادمة تحمل لنا فرحة تليق بهذا الشعب، وتمنح الأردنيين لحظة تاريخية جديدة، ربما تكون هذه المرة على أرض العم ترمب، حيث تنتظر القلوب أن يرفع النشامى اسم الأردن عالياً كما اعتادوا دائماً.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions