م.صلاح طه عبيدات يكتب: بين الحماية الاقتصادية والتكامل الإقليمي: معادلة التبادل التجاري بين سوريا الجديدة والأردن
نبأ الأردن -
لا تُقاس العلاقات بين الدول فقط بحجم الحدود المشتركة أو حجم التبادل التجاري، بل بقدرة الطرفين على بناء معادلة متوازنة تحفظ المصالح الوطنية وتمنع اختلال السوق والإنتاج المحلي. ومن هذا المنطلق، تبدو العلاقة التجارية بين الأردن و سوريا اليوم أمام اختبار اقتصادي دقيق، يتجاوز مفهوم التبادل التقليدي إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية تحقيق التكامل دون الإضرار بالبنية الاقتصادية لأي من الطرفين.
الأردن، خلال السنوات الماضية، عمل على مواءمة قطاعاته الاقتصادية والتجارية مع المعايير الدولية الحديثة، سواء في مجالات النقل، وسلامة الغذاء، والتعبئة والتغليف، أو في أنظمة الرقابة على المستوردات والصادرات. ولم يكن ذلك ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة فرضتها اتفاقيات التجارة الدولية ومتطلبات حماية المستهلك والأسواق المحلية، إضافة إلى التزامات الأردن مع شركائه الاقتصاديين حول العالم.
وفي المقابل، تواجه سوريا الحديثة تحديات كبيرة فرضتها سنوات الحرب الطويلة، والتي انعكست على البنية التحتية، وقطاع النقل، وسلاسل التوريد، وقدرة المؤسسات الاقتصادية على الالتزام الكامل بالمعايير العالمية المطلوبة في حركة البضائع والتجارة العابرة للحدود. فالنقل التجاري الحديث لم يعد مجرد شاحنات تعبر الحدود، بل منظومة متكاملة تشمل أنظمة تتبع، وشروط سلامة، ومواصفات فنية، ومعايير بيئية وصحية معقدة.
ومن هنا تنشأ المعضلة الحقيقية: كيف يمكن فتح الأسواق وتعزيز التبادل التجاري دون أن يتحول الأمر إلى تهديد للصناعات الوطنية الأردنية أو إلى إغراق للأسواق بمنتجات غير قادرة على تحقيق متطلبات المنافسة العادلة؟
الأردن، بحكم موقعه الاقتصادي الحساس وموارده المحدودة، لا يستطيع التعامل مع ملف التجارة الخارجية بعاطفة سياسية فقط، لأن بعض الصناعات الوطنية الأردنية تمثل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتشغّل آلاف العاملين، وتشكّل جزءاً مهماً من الأمن الاقتصادي الوطني. ولذلك فإن الإجراءات الحمائية التي تفرضها الدولة ليست بالضرورة انعزالاً اقتصادياً، بل أداة مشروعة تستخدمها معظم دول العالم لحماية القطاعات الحيوية من الاختلالات المفاجئة.
لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أهمية سوريا للأردن اقتصادياً وجغرافياً. فسوريا ليست مجرد دولة مجاورة، بل عمق استراتيجي وممر تجاري مهم نحو الشمال والأسواق الإقليمية، كما أن استقرار الاقتصاد السوري ينعكس بصورة مباشرة على المنطقة بأكملها.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فتحاً مطلقاً للأسواق، ولا إغلاقاً متشدداً للحدود التجارية، بل بناء سياسات اقتصادية ذكية ومتوازنة تراعي واقع البلدين معاً. سياسات تقوم على التدرج، وإعادة التأهيل، والتنسيق الفني، وتوحيد بعض المعايير تدريجياً، وإنشاء آليات رقابة مشتركة تضمن سلامة البضائع وعدالة المنافسة.
كما يمكن للطرفين العمل على إنشاء مناطق لوجستية مشتركة، وتطوير برامج دعم فني للنقل والتخزين والتعبئة، بما يساعد سوريا على الاقتراب من المتطلبات الدولية، وفي الوقت نفسه يحافظ على مصالح المنتج الأردني ويمنع الإضرار بالسوق المحلية.
إن نجاح العلاقة الاقتصادية بين الأردن وسوريا لن يتحقق بالشعارات السياسية وحدها، بل ببناء ثقة اقتصادية قائمة على الواقعية والمصالح المتبادلة. فالعلاقات التجارية الناجحة ليست تلك التي ينتصر فيها طرف على آخر، بل تلك التي يشعر فيها الطرفان بأنهما شريكان في الاستقرار والنمو والمستقبل.

























