عمر النادي يكتب : زيارة ترامب إلى بكين... رحلة من زمن الهيمنة إلى زمن التوازن
نبأ الأردن -
في لحظة دولية شديدة الحساسية، تبدو الزيارة المرتقبة إلى بكين أكثر من مجرد محطة بروتوكولية في جدول السياسة الدولية؛ إنها اختبار حقيقي لموازين القوى التي تتشكل بهدوء منذ سنوات، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والخطابات الاستعراضية.
فالصين، التي اختارت طويلًا العمل بصمت، لم تبنِ نفوذها عبر الحروب ولا عبر التدخلات العسكرية المباشرة، بل من خلال الاقتصاد، والتكنولوجيا، وتثبيت حضورها العميق في سلاسل الإمداد العالمية. هذه القوة المتراكمة جعلت من بكين لاعبًا يصعب تجاهله، وشريكًا لا يمكن الاستغناء عنه، حتى من قبل خصومها.
وفي المقابل، تدرك إيران، كما تدرك الصين، أن مرحلة الهيمنة الأميركية المطلقة على غرب آسيا لم تعد كما كانت. فالمنطقة التي شُكّلت لعقود وفق إيقاع المصالح الأميركية، تشهد اليوم تحولات عميقة، تتراجع فيها قدرة الردع التقليدي، وتتصاعد فيها أدوار القوى الإقليمية والدولية الجديدة.
من هنا تكتسب زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بكين أهميتها، بوصفها خطوة إضافية في مسار شراكة استراتيجية تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن والطاقة. وهي شراكة تجد في الموقف الروسي عنصر إسناد إضافيًا، بما يعكس تشكل شبكة مصالح متقاطعة في مواجهة الضغوط الغربية.
أما واشنطن، فتدخل هذا المشهد مثقلة بالتناقضات. فرغم استمرار لغة التهديد والعقوبات، فإن قدرتها على فرض الإملاءات لم تعد مضمونة كما في السابق. وحتى دونالد ترامب، الذي اعتاد تقديم السياسة الخارجية كعرض للقوة، يجد نفسه أمام خصم لا يستجيب للضجيج، ولا يفاوض تحت الضغط، ولا يقدّم تنازلات مجانية.
الصين تفاوض بعقلية الدولة التي تراكم النفوذ بصبر، وتقرأ الزمن الاستراتيجي على مدى عقود، لا على إيقاع الانتخابات المقبلة. ولهذا يبدو الفارق واضحًا بين من يبني القوة بصمت، ومن يعلنها كل يوم خشية تراجعها.
وفي ملف إيران، تبدو حدود القوة الأميركية أكثر وضوحًا. فالمواجهة المفتوحة ليست خيارًا سهلًا، لا عسكريًا ولا اقتصاديًا، في ظل ما تملكه طهران من أدوات تأثير جغرافي وسياسي، وفي مقدمتها موقعها الحاكم عند مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ما يجري اليوم ليس انقلابًا دراماتيكيًا في النظام الدولي، بل انتقال بطيء وثابت نحو توازنات جديدة. عالم ما بعد القطبية الواحدة لا يولد يولد بضربة واحدة، بل عبر تراكم الوقائع، وتآكل المسلمات القديمة، وصعود قوى تعرف كيف تستثمر الوقت.
وعندما يصل ترامب إلى بكين، إن وصل، فلن يزور فقط عاصمة دولة منافسة، بل مركز ثقل دولي جديد يفرض نفسه بثقة، فيما تتراجع فاعلية الشعارات القديمة أمام حقائق القوة المستجدة.


























