د. عبدالله محمد القضاه يكتب:نهاية وهم الساعات الطويلة: العالم يعمل أقل… وينتج أكثر
نبأ الأردن -
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد طول ساعات العمل دليلًا على الجدية، ولا البقاء في المكتب معيارًا للإنتاجية. هذه حقيقة بدأت الدول المتقدمة تتعامل معها كمسلمة، بينما لا يزال كثيرون يتعاملون معها كفكرة صادمة. العالم اليوم يشهد تحولًا هادئًا لكنه عميق: الاقتصادات الأقوى لم تعد تسأل كم ساعة يعمل المواطن، بل كم قيمة يُنتج.
فلسفة التحول: من "اقتصاد الوقت” إلى "اقتصاد القيمة"
إن هذا التحول العميق لا تقوده الشعارات الرنانة، بل تفرضه الحقائق الملموسة والنتائج الإيجابية التي أثبتتها التجارب العالمية الرائدة. لقد برهنت الممارسات في دول مثل آيسلندا، والمملكة المتحدة، ونيوزيلندا، والإمارات العربية المتحدة، أن تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام (مع ثلاثة أيام عطلة رسمية) لا يضعف الاقتصاد الوطني، بل يعيد ضبط كفاءته ويعزز مرونته. في كثير من الحالات، لم تتراجع مستويات الإنتاجية بل شهدت تحسناً ملحوظاً، بينما انخفضت في المقابل تكاليف "الهدر الخفي" الذي يستنزف الموارد البشرية والاقتصادية، والمتمثل في الإجهاد الوظيفي، وارتفاع معدلات الغياب، والدوران الوظيفي، وتراجع جودة الأداء العام .
إن القراءة السطحية لهذه التجارب قد تضلل البعض وتصورها على أنها مجرد "يوم عطلة إضافي"، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إنها تمثل تحولاً جذرياً في فلسفة الإدارة العامة والاقتصاد، حيث لم تكتفِ الدول التي نجحت في هذا المسار بتقليل ساعات العمل فحسب، بل عملت على تقليص الفوضى التنظيمية، وأعادت توجيه الجهد البشري والمؤسسي نحو تحقيق النتائج الملموسة والأثر الفعال، بدلاً من التركيز على الحضور الشكلي أو الساعات الطويلة غير المنتجة. إنها نقلة نوعية واستراتيجية من "اقتصاد الوقت"، حيث يُقاس العمل بالزمن المستغرق، إلى "اقتصاد القيمة"، حيث يُقاس العمل بالأثر المحقق والإنجاز الفعلي.
الموظف المتوازن ركيزة الأمن الوطني الناعم
من منظور الدولة، تحمل هذه التحولات أبعاداً استراتيجية أعمق بكثير من مجرد تنظيم لسوق العمل. فالموظف الذي يتمتع بتوازن صحي ونفسي أفضل، هو بالضرورة موظف أكثر إنتاجية، وأكثر استقراراً، وأكثر ولاءً لمؤسسته ووطنه. والمجتمع الذي يتيح لأفراده وقتاً كافياً للحياة - للتعلّم المستمر، وللرعاية الأسرية، وللمشاركة المدنية الفاعلة، ولتنمية الذات - هو مجتمع أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على الصمود في وجه التحديات الداخلية والخارجية. وهنا، تتحول سياسة تقليص ساعات العمل من مجرد أداة وظيفية إلى واحدة من أهم أدوات "الأمن الوطني الناعم"، الذي يعزز رأس المال البشري ويحصّن النسيج المجتمعي.
الممارسات الدولية: قصص نجاح تلهم المستقبل
عندما نستعرض الساحة الدولية، نجد قصص نجاح ملهمة تؤكد جدوى هذا التوجه وتبرهن على إمكانية تحقيقه على نطاق واسع. ففي آيسلندا، قادت البلاد واحدة من أكبر التجارب العالمية بين عامي 2015 و2019، وشملت أكثر من 1% من القوة العاملة. أظهرت النتائج زيادة واضحة في الإنتاجية والرفاهية العامة للموظفين، مما أدى لاحقاً إلى حصول 86% من القوة العاملة على عقود عمل تمنحهم الحق في تقليل ساعات العمل .
ولم تكن المملكة المتحدة بمنأى عن هذا التوجه، حيث شهدت أضخم تجربة من نوعها عام 2022، شملت 61 شركة وحوالي 2900 موظف. أبدت 92% من الشركات المشاركة رغبتها في الاستمرار في نظام الأيام الأربعة، وسجلت الإيرادات نمواً بنسبة 35% مقارنة بفترات سابقة، مع انخفاض كبير في معدلات الإجهاد والغياب.
وعلى الصعيد الإقليمي، قدمت الإمارات العربية المتحدة نموذجاً رائداً من خلال حكومة الشارقة التي طبقت نظام العمل لأربعة أيام. أظهرت الدراسات اللاحقة ارتفاعاً ملحوظاً في سعادة الموظفين بنسبة 90%، وزيادة في جودة العمل والإنتاجية، مما يعكس رؤية استشرافية للقيادة .حتى إسبانيا بدأت تتحرك على مستوى السياسات العامة نحو تقليص ساعات العمل رسمياً، إدراكاً منها بأن رأس المال البشري هو المحرك الحقيقي للنمو، وأن استدامته تتطلب التوازن لا الاستنزاف.
القرار السيادي: استحقاقات النجاح ورؤية المستقبل
إن تبني هذا النموذج لا يمكن أن يكون قراراً عفوياً أو استجابة لضغط اجتماعي آني، بل هو قرار سيادي استراتيجي يتطلب قراءة دقيقة وواعية لهيكل الاقتصاد الوطني، وطبيعة القطاعات المختلفة، ومستوى الإنتاجية الحالي. فالقطاع العام، على سبيل المثال، نفذ إصلاحات جذرية في الإجراءات والرقمنة قبل أي تقليص فعلي للساعات، وبالتالي قرار تخفيض أيام العمل يكون فرصة ذهبية للتحسين والتطوير.
إن الدروس المستفادة من التجارب الدولية واضحة وجلية، وتلخص في ثلاثة محاور رئيسية ؛ الأول: الإدارة الذكية للأداء: لا يمكن تحقيق النجاح المستدام دون إدارة ذكية للأداء تركز على الكفاءة والنتائج المحققة، لا على مجرد عدد ساعات الحضور. الثاني؛ القياس الحقيقي للإنتاجية: لا جدوى من أي تغيير دون وجود آليات دقيقة وشفافة للقياس الحقيقي والمستمر لمؤشرات الإنتاجية والأثر الاقتصادي والاجتماعي .أما الثالث؛ فهو الثقافة المؤسسية القائمة على الإنجاز: لا يمكن لأي مبادرة أن تحدث أثراً إيجابياً مستداماً دون بناء ثقافة مؤسسية راسخة تقوم على الإنجاز والابتكار، لا على مجرد الحضور الشكلي أو الروتين.
في الختام، نحن أمام تحول عالمي لا رجعة فيه، ولن ينتظر المترددين أو المتأخرين. إن الدول التي تسبق في إعادة تعريف مفهوم العمل، وتستثمر في رأس مالها البشري من خلال توفير بيئة عمل متوازنة ومحفزة، هي ذاتها التي ستقود قاطرة اقتصاد المستقبل وستحقق الريادة. أما تلك التي تتمسك بنماذج تقليدية قائمة على مبدأ "ساعات أكثر"، فقد تجد نفسها تدفع كلفة أعلى مقابل عائد أقل، وتفقد فرصتها في بناء مجتمع مزدهر ومستدام.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، ليس: "هل نقلص ساعات العمل؟"، بل السؤال الأعمق والأكثر استراتيجية هو: "هل نحن مستعدون لإدارة دولة أكثر كفاءة ومرونة بأسلوب أذكى، وبناء إنسان أفضل وأكثر سعادة وإنتاجية؟" إن الإجابة على هذا السؤال هي مفتاح المستقبل.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.


























