د تيسير ابوعاصي يكتب: رحلة إلى سيلان
نبأ الأردن -
الشرق الاقصى بلاد جميلة خلابة ، هي ثقافة جديدة علينا بالعديد من محطاتها ، كأنها نصف العالم الذي تختلف فيه ماكينة الحياة بمحركاتها عنا نحن في شرقنا المتوسط انسيابا نحو ما بعد غرب القارة الامريكية.
. ذات رحلة كانت وجهتنا سيريلانكا البلد الجميل في كل تفاصيله ، شعب طيب وخيرات مترامية حيث تجود الارض بما لديها من عطاء وكذا السماء ، فالمطر المداري الغزير والحر الذي لا ينقطع وثمار نعرفها واخرى تشكل خيالا نجول في آفاقه ، جوز الهند الأخضر قبل ان يشتد عوده الكاكاو المطاط الكاجو الشاي القهوة الهال التوابل بأنواعها ؛ ترى شجر القرفة والفلفل الاسمر والكركم في بساتين البهارات .... ترى الشاي وكيف يُقطف ومراحل تحضيره كي يصبح مادة الشاي الاسود الذي نعرفه ، حبة الكاجو كيف تقطف من موضعها متدلية ، الفاكهة الاسيوية بتنوعها ، جوز الهند في مشهد لم نألفه ولم نعرفه حيث يكون اخضرا غضا يقدم ، كذلك حيث يُثقب وتوضع فيه المصاصة ( الشلمونه ) كي يتم رشف مائها ؛ توسع الفتحة بعدئذ لادخال ملعقة وتناول الثمرة من داخلها ....
. العديد من المشاهد التي لم نتعرف عليها من قبل ؛ القرفة وكيف يتم التعامل معها لتصبح منتجا نهائيا نعرفه ، شجر المطاط كيف يذرف مادة المطاط فينساب الى اوانٍ مثبتة على الشجر .
. مناظر الشجر الكثيف والشوارع النظيفة والارض التي تبتلع انهمارات المطر المتوثبة لكي تنقض خيرا من السماء ، كأنها مواقيت لحظية على مواعيد منتظمة ، كأنها فزعة تلبية واستجابة السماء لاستغاثات ايضا متناوبة من الارض التواقة ، بعدها تنقشع السحب بعد اداء مهمة التلبية ، وأما المطر فيذهب في رحلته نحو الجذور منسحبا من مسرح الارض وكأنه شيئا لم يكن .
. الشعب طيب ببساطته وملامحه واقباله نحو مَواطن الانسانية ، بثقافته واتجاهاته الدينية المتعددة ، هذه السمات التي جعلت من الغرب الرأسمالي يولغ في خيراته ويتاجر بجشع بخيرات تلك البلاد فيدفع اموالا في شراء تلك الخيرات واستثمارها في تجارة عالمية لا تكتفي بالربح المقبول .
. كانت اقامتنا في فندق هو اقرب الى بيوت ريفية رائعة بين اشجار الخير وسواقي المياه تفترش الارض ساعية مرحبة بالزائرين ، الطيور تتأرجح بين بواسق الاشجار ، وألفيلة تسير متثاقلة في كل الاتجاهات .
أما القردة فهي حكاية لا تنتهي .
تجد معشر القرود تهلل على جانبي الطرقات وعلى اغصان الشجر ، في لحظة تجدها قد هبطت لأصطياد ضيافة من احد ، تجدها في الصباح الباكر على حفاف الشرفات تعطي للزمان والمكان نبض ابتسامة نستهل بها صباحاتنا بأشراقة فرحة .
. زرنا حديقة عبر قطار سياحي صغير ، اشار الينا الدليل السياحي منبها ان نحذر من انقضاض القردة على حقائب السيدات مبتغيا ان يجد ما يأكله داخله .
لنا مع القرود وقفة طارئة ؛
. حيث أن الفنادق في سيريلانكا معظمها ليست مغلقة في مطاعمها او اماكن الاستقبال ، بل مفتوحة على الجوار المحيط من حدائق ، فلقد كنا ذات يوم نتهيأ لتناول الفطور فأخذنا انا وزوجتي طبقين إنتقينا فيهما ما من مأكولات ، وضعناها على الطاولة وذهبنا لاستكمال بقية ما نريد ، حين عدنا اخبرنا النادل معتذرا بان ثمة قرد قد اخذ وجباتنا ، فورا غيرنا المكان وجلسنا على طاولة اخرى من جديد .
لم نر من القرود ما يسيء للعلاقة الطيبة فيما بيننا رغم ذاك الغزو الذي اودى بلقمة عيشنا ،
يبقى القرد مسليا وحركاته تبث الفرح والسعادة في كل الارجاء ، ولا ضير من تلك الحياة المشتركة المألوفة هناك دون اية تداعيات متواترة لممارسات طريفة رشيقة [ كالتي حدثت معنا ] ، فالطيبة سمة قرأناها ولمسناها في فضاء من الصفاء والنقاء لم تعكرها ترسبات شوهت صفة الإنسانية التي لم تلجم اطماعها سقوف او حدود من تنازع وحروب وهمجية وإبادة .
************************
.
.























