م.نبيل أبو سل يكتب: توطين التكنولوجيا: من الاستهلاك إلى الابتكار السيادي
نبأ الأردن -
لابد وأنك سمعت مؤخرا كلمة توطين التكنولوجيا بحيث يتم ربطها بكافة جزئيات التكنولوجيا، مثل توطين البيانات او توطين البرمجيات، الخ... واعتقد انه في ظل التسارع الرقمي الذي يشهده هذا القرن وما يشهده العالم من تغيرات سياسية وديموغرافية، لم يعد امتلاك التكنولوجيا رفاهية، بل أصبح "توطينها" ضرورة وجودية للدول التي تسعى لحجز مقعد في الصفوف الأولى. إن الفرق بين استيراد التكنولوجيا وتوطينها كالفرق بين شراء ثمرة وبين زراعة شجرة في تربتك المحلية.
اعتقد ان الجميع قد شاهد ما تتناوله المحطات الإخبارية قبل أيام من قرارات للحكومة الفرنسية بالتوجه نحو استخدام أنظمة التشغيل ذات المصدر المفتوح بدلا من أنظمة تشغيل الحالية.
لقد كنت و ما زلت من الداعمين لاستخدام برمجيات المصدر المفتوح وتعديلها وتطويعها لتصبح ذات هوية محلية او عربيه. وعند الحديث عن محولات عربية في هذا الموضوع نجد هناك العديد منها في كل من الامارات والأردن والسعودية، وقد تم فعليا اصدار أنظمة مثل اعجوبة Ojuba Linux وسبيلي Sabily.
لماذا التوطين:
الهدف النهائي ليس فقط استخدام الأداة، بل "امتلاك السر" الذي بنيت عليه. كما أن تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، يحمي الدولة من تقلبات السياسة الدولية أو احتكار الشركات. بالإضافة الى خلق فرص عمل نوعية، كما أنه عندما تكون التكنولوجيا "مصنوعة محلياً، يسهل تأمينها وفحص ثغراتها بعيداً عن أي "أبواب خلفية" مشبوهة.
اننا نحتاج الى منظومة متكاملة تتضمن ما يلي:
1. بناء الكوادر البشرية: الاستثمار في التعليم التقني والتدريب المستمر. لا يمكن توطين الذكاء الاصطناعي أو "Big Data" دون وجود مهندسين محليين يفهمون خوارزمياتها وبنيتها التحتية.
2. دعم المصادر المفتوحة (Open Source): أدوات مثل Apache و Linux تعد بوابة ذهبية للتوطين، لأنها تمنح المهندس المحلي الحق في رؤية الكود المصدري وتعديله وتطويره دون قيود "التبعية" للشركات العالمية الكبرى.
3. البيئة التشريعية: سن قوانين تحمي الملكية الفكرية المحلية وتدفع الشركات الأجنبية لنقل المعرفة (Knowledge Transfer) كشرط للمشاريع الكبرى.
4. مراكز البيانات الوطنية: توطين البيانات هو الخطوة الأولى لتوطين التكنولوجيا؛ فامتلاك السحابة الوطنية (National Cloud) يحمي السيادة الرقمية.
في النهاية إن توطين التكنولوجيا هو رحلة تبدأ من "التعريب" و"التكييف" وتنتهي بـ "الابتكار". وعندما تنجح دولة في توطين تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي، فهي لا تساهم في تحسين اقتصادها فحسب، بل تؤمن مستقبل أجيالها في عالم لا يعترف إلا بالقوة الرقمية.


























