د. عبدالله محمد القضاة يكتب: لماذا نحتاج إلى مبادرة ملكية لتوحيد السردية الأردنية؟
نبأ الأردن -
في لحظات التحول الكبرى التي تعصف بمنطقتنا، لم تعد الصراعات تقتصر على الميادين العسكرية أو التجاذبات السياسية فحسب، بل أضحت في جوهرها "معركة رواية"؛ صراعاً على الهوية والاتجاه. فالدول التي لا تملك سردية وطنية متماسكة وواضحة، تجد نفسها مرتهنة لتأويلات عابرة، أو أسيرة لسرديات الآخرين وانفعالات اللحظة.
منذ تأسيس الدولة في عام 1921، لم يكن الأردن يوماً كياناً طارئاً على الجغرافيا، بل قام كشروع سياسي وأخلاقي يحمل رسالة حضارية واضحة: دولة عربية مستقلة، تستمد شرعيتها من إرث هاشمي عريق، تؤمن بالاعتدال نهجاً، وتحمي التوازن في إقليم مضطرب، وتتمسك بالحق العربي وفي مقدمته القضية الفلسطينية.
لقد تشكلت السردية الوطنية الأردنية عبر قرن من الزمان، صقلتها التحديات، وعمدتها التضحيات في ميادين الشرف، وترسخت مع الاستقلال وبناء المؤسسات. كانت هذه السردية ترتكز دوماً على ثوابت راسخة: وحدة الدولة، التعددية ضمن الإطار الوطني الجامع، مركزية القدس، ودور الأردن كعامل استقرار إقليمي لا غنى عنه.
إلا أننا اليوم نعيش في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، حيث تتصارع السرديات على منصات التواصل قبل أن تتواجه على الأرض. يتلقى جيل الشباب معلوماته من فضاءات مفتوحة، بعيداً عن المناهج التقليدية، مما يجعل الخطاب العام عرضة للتأثر بردود الفعل الآنية بدلاً من الاستناد إلى رؤية استراتيجية متكاملة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة، لا لـ "إعادة كتابة" الهوية الأردنية -فهي راسخة الجذور- بل لتحديث أدوات التعبير عنها وتعزيزها بما يتسق مع متغيرات العصر. نحن لسنا أمام أزمة هوية، بل أمام تحدي تجديد الخطاب الوطني الجامع، وصياغته بلغة معاصرة قادرة على مخاطبة الداخل بثقة، والتعامل مع الخارج بوضوح.
إن السردية الوطنية ليست مجرد نص إعلامي أو شعار سياسي، بل هي منظومة متكاملة تشمل التعليم، والإعلام، والسياسة الخارجية، والثقافة، وأسلوب تواصل الدولة مع مواطنيها. وإذا كانت الشرعية الهاشمية والدور الأردني في حماية المقدسات بالقدس يمثلان بعداً تاريخياً وأخلاقياً راسخاً، فإن مسؤوليتنا اليوم تكمن في تقديم هذه الثوابت للأجيال الجديدة بلغة العصر، دون انكفاء أو مبالغة.
إن الدول العميقة هي تلك التي لا تترك روايتها للتشتت، ولا تسمح باختزالها في لحظة انفعال، بل تعمل بهدوء على بلورة إطار مرجعي جامع، يرسخ الثوابت، ويستوعب التنوع، ويمنع الانقسام، ويعزز جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولعل الوقت قد حان لإطلاق مبادرة وطنية رفيعة المستوى، برعاية ملكية سامية، تُعنى بتعزيز الهوية الوطنية الأردنية وتحديث سرديتها في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية. مبادرة تضم نخبة من المؤرخين، وعلماء الاجتماع، وخبراء التربية والإعلام، بالإضافة إلى تمثيل شبابي يعكس روح الدولة الجامعة.
إن الهدف من هذه المبادرة ليس صياغة رواية جديدة، بل توحيد المرجعية، وتعميق الانتماء الواعي، وردم الفجوة بين الأجيال، وتقديم صورة الأردن كما هو: دولة قانون، دولة مؤسسات، ودولة رسالة.
لم يكن الأردن يوماً دولة "ضجيج"، بل كان دوماً دولة "توازن"؛ ولم يكن دولة "انفعال"، بل هو دولة "عقل". واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى إطار وطني جامع يحمي هذا الإرث ويمنحه لغة المستقبل. فالسردية ليست ترفاً فكرياً، بل هي أحد ركائز الأمن الوطني، والهوية ليست شعاراً، بل هي عقد معنوي بين الدولة ومواطنيها.
في زمن تتزاحم فيه الروايات، يبقى الأجدر بنا أن نروي حكايتنا نحن.. بوعي، وبثقة، وبمسؤولية دولة.
أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا*























