وائل منسي يكتب : من النمو الاقتصادي إلى فرص العمل: لماذا لا يكفي أن ينمو الاقتصاد إذا لم يتحسن دخل الناس؟

وائل منسي يكتب : من النمو الاقتصادي إلى فرص العمل: لماذا لا يكفي أن ينمو الاقتصاد إذا لم يتحسن دخل الناس؟
نبأ الأردن -
قراءة تحليلية في تقرير البنك الدولي ومقاربة مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي في الأردن

يطرح تقرير البنك الدولي الصادر في 26 تشرين الأول 2026، بعنوان «الفقر والرخاء والكوكب 2026»، حقيقة اقتصادية تستحق التوقف عندها: العالم لم يعد يحقق تقدماً ملموساً في مكافحة الفقر المدقع، رغم ما تحقق من نمو وتطور تكنولوجي؛ لأن النمو الاقتصادي وحده لا يضمن تحسن حياة الناس ما لم يتحول إلى وظائف أكثر، ودخول أفضل، وفرص اقتصادية أكثر عدالة.
فالتقرير يشير إلى أن نحو 811 مليون إنسان يعيشون على أقل من ثلاثة دولارات يومياً، وأن قرابة نصف سكان العالم يعيشون على أقل من 8.30 دولارات يومياً. والأهم أن معالجة الفقر لا تتطلب مجرد زيادة عدد الوظائف، بل تحسين نوعيتها وإنتاجيتها وأجورها، وتوسيع مشاركة النساء، ورفع مستوى تعليم العاملين، ونقلهم من الأنشطة منخفضة العائد إلى قطاعات أكثر إنتاجية.
هذه الفكرة تنقل النقاش من سؤال: كم ينمو الاقتصاد؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يستفيد من هذا النمو؟ وهل ينعكس على الأجور والقوة الشرائية والاستقرار الاجتماعي واتساع الطبقة الوسطى؟ https://www.albankaldawli.org/ext/ar/home
الأردن: استقرار اقتصادي لا يزال بحاجة إلى ترجمة اجتماعية
يمثل الأردن نموذجاً واضحاً للفجوة بين الاستقرار الاقتصادي الكلي والنتائج المعيشية.
فالحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وتحقيق معدلات نمو إيجابية، واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، كلها إنجازات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها إذا بقيت سوق العمل عاجزة عن استيعاب الداخلين الجدد، خصوصاً الشباب والنساء.
وتكشف المؤشرات الرسمية أن البطالة بين الأردنيين بلغت 21% في الربع الثاني من عام 2026، بينما بلغ معدل البطالة العام، للأردنيين وغير الأردنيين، 16.1%. ورغم التحسن النسبي، فإن المشكلة الأعمق تتعلق بانخفاض المشاركة الاقتصادية، وضعف قدرة قطاعات واسعة على توفير وظائف مستقرة ومنتجة وذات أجور لائقة. Department of Statistics
المفارقة أن الأردن يمتلك رأسمالاً بشرياً متعلماً، وطاقات شبابية، وموقعاً استراتيجياً، وفرصاً في الاقتصاد الرقمي والخدمات والصناعة والسياحة والزراعة، لكنه لم ينجح بعد في تحويل هذه المقومات إلى محرك كافٍ لتوليد فرص العمل والدخل.
أين تكمن المشكلة في النموذج الاقتصادي؟
يمكن تحديد ثلاثة اختلالات رئيسية:
أولاً: نمو لا يولّد فرص عمل كافية. لا تكمن المشكلة في معدلات النمو وحدها، بل في طبيعة القطاعات التي تقود هذا النمو ومدى قدرتها على التشغيل. فالاستثمار الذي يرفع الناتج المحلي دون أن يخلق وظائف منتجة ومستدامة يظل محدود الأثر اجتماعياً. وهذا يتطلب توجيه الاستثمار نحو الصناعة والتكنولوجيا والخدمات المتقدمة والزراعة الحديثة والاقتصاد الأخضر.
ثانياً: فجوة بين التعليم وسوق العمل. لم تعد الشهادات الأكاديمية وحدها ضمانة للتوظيف. المطلوب الانتقال من التعليم القائم على تخريج الباحثين عن وظائف إلى منظومة تربط التعليم بالتدريب المهني والتطبيقي والتدريب داخل الشركات والمهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وتشير أبحاث سوق العمل الأردني إلى أهمية توسيع الطلب على العمالة وتحسين المواءمة بين مهارات الباحثين عن عمل واحتياجات المؤسسات. International Growth Centre
ثالثاً: ضعف المشاركة الاقتصادية والعدالة في توزيع الفرص. لا يمكن بناء اقتصاد منتج مع استمرار ضعف مشاركة النساء والشباب، واتساع العمل غير المنظم، وتفاوت الفرص بين العاصمة والمحافظات. كما أن الوظيفة التي لا توفر أجراً عادلاً وضماناً اجتماعياً وأماناً وظيفياً قد تنقل الإنسان من البطالة إلى العمل، لكنها لا تنقله بالضرورة من دائرة الفقر والهشاشة.
ما الذي يحتاجه الأردن؟

المطلوب ليس المزيد من البرامج والمبادرات المتفرقة، بل إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية وفق سياسة متكاملة تتضمن:
. تحفيز القطاع الخاص المنتج: ربط الحوافز والإعفاءات والتسهيلات الاستثمارية بخلق وظائف حقيقية، ورفع الإنتاجية، وتحسين الأجور، وليس بحجم الاستثمار وحده.
. تطوير الاقتصاد المحلي: تحويل المحافظات إلى مراكز إنتاج واستثمار وفق ميزاتها النسبية، بدلاً من استمرار تمركز الفرص الاقتصادية في العاصمة.
. تمكين الشباب والنساء: توسيع فرص العمل المرن والعمل عن بُعد، والاحتضان الريادي، والتدريب المدفوع، وتوفير خدمات رعاية الأطفال التي تساعد النساء على دخول سوق العمل.
. الاستثمار في الاقتصاد الجديد: دعم الشركات الناشئة، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والصناعات الرقمية، وربط الجامعات بمراكز الابتكار والإنتاج.
. تعزيز الحماية الاجتماعية: توسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل أنماط العمل الجديدة، وضمان الحد الأدنى من الحقوق والأجور اللائقة، وحماية العاملين من الهشاشة الاقتصادية.
. رفع إنتاجية الزراعة والمشروعات الصغيرة: من خلال التكنولوجيا والتمويل والتسويق وسلاسل القيمة، بما يرفع دخل المنتجين ويعزز الأمن الغذائي.
وهذه ليست مجرد توصيات نظرية؛ فالبنك الدولي أقر في حزيران 2026 تمويلاً بقيمة 700 مليون دولار لدعم الاستثمار الخاص والتنافسية وخلق الوظائف في الأردن، ضمن مسار يستهدف تحسين بيئة الأعمال وتوسيع التمويل والتحول الرقمي والأخضر. لكن التحدي الحقيقي يبقى في قياس أثر هذه الإصلاحات على فرص العمل والدخل الفعلي للأسر. World Bank

المقاربة السياسية والاقتصادية: من اقتصاد الأرقام إلى اقتصاد الإنسان

هنا تبرز أهمية مقاربة الاقتصاد الاجتماعي والسوق الاجتماعي، التي لا ترى تناقضاً بين كفاءة السوق ودور الدولة، ولا بين تشجيع الاستثمار وتحقيق العدالة الاجتماعية.
فالدولة ليست مطالبة بأن تكون المشغّل الأكبر، كما أنها ليست مطالبة بترك السوق يصحح اختلالاته وحده. دورها هو بناء قواعد المنافسة العادلة، وتوجيه الاستثمار، وتطوير التعليم والبنية التحتية، وحماية الحقوق الاجتماعية، وضمان وصول الفرص إلى الفئات والمناطق الأقل حظاً.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح رؤية التحديث الاقتصادي لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو نمو الناتج المحلي أو عدد المشاريع المنفذة، بل بمؤشرات أكثر التصاقاً بحياة المواطنين: نمو دخل الأسرة، ونوعية الوظائف المستحدثة، وتراجع الفقر، وارتفاع المشاركة الاقتصادية للنساء، وانخفاض البطالة بين الشباب، واتساع الطبقة الوسطى.
كما ينبغي الانتقال إلى سياسات عامة تستند إلى البيانات والأبحاث والتقييم المستمر للأثر، بحيث لا تتحول الخطط الاقتصادية إلى أهداف رقمية منفصلة عن النتائج الاجتماعية.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions