إبراهيم قبيلات يكتب: بيان الـ256.. حين يصبح الاختلاف امتحانا للضمير

إبراهيم قبيلات يكتب: بيان الـ256.. حين يصبح الاختلاف امتحانا للضمير
نبأ الأردن -
ورد اسمي بين الموقعين على بيان الـ256 الذي أعقب حادثة حمود، ولا أجد في ذلك ما يدعوني إلى التنصل من البيان بمجمله، غير أن الأمانة الفكرية تقتضي التوقف عند الفقرة التي أدرجت سيد قطب وحسن البنا وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب باعتبارهم منابع للإرهاب، وهو اتهام لا أتبناه ولا أراه منصفا للتاريخ أو للفكر الإسلامي.
لهؤلاء الرجال مكانتهم وإسهاماتهم في التاريخ الفكري والديني، ولكل منهم سياقه واجتهاداته وأثره الذي لا يجوز إنكاره أو اختزاله في اتهام عابر، وليس من العدل أن تُحمّل شخصيات رحلت قبل عقود أو قرون مسؤولية ما يرتكبه آخرون، أو أن يختزل تراث واسع ومتشعب في قراءة واحدة، مهما كانت دوافع أصحابها.
أدرك أن المراجعة العلمية حق مشروع لكن ثمة مسافة أخلاقية ومعرفية شاسعة بين نقد فكرة وتحويل صاحبها إلى متهم دائم في محكمة التاريخ.
على أن ما استوقفني أكثر من تلك الفقرة هو ما فجّره البيان من كراهية كانت كامنة في الصدور، تنتظر مناسبة لتخرج إلى العلن.
فجأة اكتشفنا كم هو هش ذلك التسامح الذي نتغنى به وكم يسهل أن يتحول الاختلاف إلى تخوين، والنقد إلى شتيمة والدفاع عن الاعتدال إلى ممارسة للإقصاء.
كان يفترض أن تكون حادثة حمود مناسبة لمراجعة خطاب العنف وأسبابه، لا فرصة لفتح دفاتر الأحقاد القديمة أو توزيع صكوك البراءة والجنة والإدانة على الناس وفق معتقداتهم ومواقفهم.
والأخطر أن بعض الذين يرفعون راية المحبة والتسامح لا ينتبهون إلى أنهم يستعيرون منطق الكراهية حين يحتكرون الحقيقة، ويصادرون حق الآخرين في الاختلاف، ويختصرون البشر في تصنيفات جاهزة.
إنني أرفض الإرهاب بلا تحفظ وأرفض بالقدر ذاته تحويل مواجهته إلى خصومة مع التراث الإسلامي أو مع رموزه. لسنا بحاجة إلى معركة جديدة بين المتدينين وخصومهم، بل إلى عقل يتسع للاختلاف، وعدالة لا تنتقي ضحاياها، وشجاعة أخلاقية تعترف بالخطأ دون أن تتنكر للموقف كله.
فالبيان الذي أثار كل هذا الجدل كشف ربما من حيث لا يدري أصحابه، أن الكراهية التي ينبغي أن نواجهها ليست دائما تلك التي نبحث عنها في كتب الماضي، بل تلك التي نحملها اليوم في صدورنا، ونمنحها أسماء براقة كلما أردنا إطلاقها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions