محمد الخطيب يكتب: اللواء شريف العمري رحمه الله… تجربة أردنية في محاورة التكفيريين قبل 18 عاماً: ماذا بقي منها وأين نحن اليوم؟

محمد الخطيب يكتب: اللواء شريف العمري رحمه الله… تجربة أردنية في محاورة التكفيريين قبل 18 عاماً: ماذا بقي منها وأين نحن اليوم؟
نبأ الأردن -
في الوقت الذي يواجه فيه الأردن تحديات متجددة تتصل بالإرهاب والفكر التكفيري، وتعود فيه الأسئلة المؤلمة إلى الواجهة مع كل جريمة تستهدف أمن الوطن وأرواح أبنائه ورجال أجهزته الأمنية، أجد من الضروري استحضار تجربة أمنية أردنية تستحق التوقف عندها، قادها قبل نحو ثمانية عشر عاماً المرحوم اللواء المتقاعد شريف العمري، عندما كان برتبة عقيد ويتولى مسؤولية إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل بمديرية الأمن العام.

لم تكن تلك التجربة مجرد مبادرة وعظية أو محاضرات دينية تقليدية، بل محاولة لمواجهة الفكر التكفيري من داخل السجون، بعدما تبين أن بعض النزلاء الذين دخلوا مراكز الإصلاح والتأهيل بسبب جرائم جنائية عادية، تحولوا خلال فترة محكوميتهم إلى اعتناق أفكار تكفيرية متطرفة.

وهنا تكمن خطورة القضية: أن يدخل الإنسان السجن مجرماً جنائياً، ثم يخرج منه وقد أصبح أكثر خطورة على المجتمع، بعد أن تحول من مرتكب جريمة إلى حامل لفكر يبرر القتل ويستبيح الدماء باسم الدين.

ففي عام 2008، كشفت إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل عن 36 نزيلاً اعتنقوا الفكر التكفيري داخل السجون، رغم أن بعضهم كان محكوماً بقضايا سرقة وسلب وجرائم أخرى لا علاقة لها بالإرهاب. ولم تتعامل الإدارة مع هذه الظاهرة باعتبارها مجرد مخالفة انضباطية، وإنما بوصفها تهديداً فكرياً وأمنياً يتطلب تدخلاً متخصصاً.

وحسب ما اذكر وبتوجيهات مدير الامن العام آنذاك، بادر المرحوم العمري إلى فتح حوارات مع هؤلاء النزلاء، مستعيناً بأساتذة متخصصين في الشريعة الإسلامية من الجامعات الأردنية، لمناقشة أفكارهم ومعتقداتهم، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي استندوا إليها في تكفير الآخرين واستباحة دمائهم.

واستمرت جلسات الحوار والمناظرات خلال عام 2008، وأظهرت مؤشرات أولية على مراجعة بعض النزلاء لمواقفهم، لكن العمري، بحسه الأمني وخبرته الميدانية، لم يعتبر مجرد إعلان التراجع عن التكفير دليلاً كافياً على تغير القناعات، بل أكد أهمية استمرار المتابعة والتحقق من صدق التحول الفكري.

وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ فالتراجع اللفظي عن التطرف لا يعني بالضرورة التخلي عن القناعة المتطرفة، كما أن حسن السلوك داخل السجن لا يكفي وحده للحكم على زوال الخطورة بعد الإفراج.

ولم تتوقف أهمية التجربة عند حدود السجون الأردنية، فقد تناولتها دراسات أكاديمية دولية متخصصة في مكافحة التطرف، من بينها دراسة نشرها عام 2012 الباحث حامد السعيد، تضمنت مقابلة مع العمري أجريت في عمّان عام 2008، وأشارت إلى التحديات التي واجهت الحوار مع النزلاء المتطرفين، ومن بينها رفض بعضهم المشاركة وعدم ثقتهم بالمحاورين.

ولعل ما يستحق التقدير في تجربة المرحوم شريف العمري أنها انطلقت من إدراك مبكر لحقيقة أمنية خطيرة، وهي أن السجن قد يتحول، في غياب التصنيف الدقيق والرقابة والبرامج المتخصصة، إلى بيئة لتبادل الخبرات الإجرامية ونشر الفكر المتطرف وتجنيد عناصر جديدة.

واليوم، وبعد مرور ثمانية عشر عاماً، من حقنا أن نسأل: ماذا حدث لتلك التجربة؟ وهل جرى تطويرها وتحويلها إلى برنامج مؤسسي مستدام؟ وما مصير النزلاء الذين خضعوا للحوار؟ وهل توجد دراسات تقيس نسبة العائدين إلى التطرف أو الجريمة بعد الإفراج عنهم؟

هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك بجهود مديرية الأمن العام أو العاملين في مراكز الإصلاح والتأهيل، الذين يتحملون مسؤوليات جسيمة في ظروف صعبة، وإنما تهدف إلى تقييم السياسات والبرامج، والبناء على الخبرات الأردنية المتراكمة، بدلاً من البدء من الصفر كلما واجهنا جريمة إرهابية جديدة.

وأعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في فلسفة التعامل مع النزلاء، والتمييز بين من ارتكب جريمة ويمكن تأهيله وإعادته إلى المجتمع، وبين من يحمل فكراً تكفيرياً عنيفاً أو يشكل خطراً مرتفعاً يستدعي إجراءات أمنية وتأهيلية متخصصة، مع ضمان الحقوق التي يكفلها القانون للجميع.

وهنا لا بد من التأكيد أن مواجهة الفكر التكفيري لا تتحقق بالعقوبات وحدها، مثلما لا تتحقق بالحوار وحده. إنها منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، وتمر بالتشريعات والمؤسسات الأمنية والقضائية والإصلاحية، ولا تنتهي عند أبواب السجون، بل تمتد إلى برامج المتابعة والتأهيل بعد الإفراج، وفق أحكام القانون.

كما أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على معاقبة الإرهابي بعد ارتكاب جريمته، بل تشمل منع التجنيد والاستقطاب، وكشف الشبكات التي تروّج للفكر المتطرف، وتجفيف مصادر تمويلها، ومراجعة الثغرات التي تسمح بتحويل بعض المجرمين الجنائيين إلى عناصر تتبنى العنف باسم الدين.

إن الجرائم الإرهابية التي شهدها الأردن أخيراً، وما قدمه رجال الأمن العام من تضحيات، تفرض علينا الانتقال من ردود الفعل إلى المراجعة المؤسسية الشاملة، ومن الاكتفاء بإدانة الجرائم إلى البحث في أسبابها ومساراتها ووسائل منع تكرارها.

ولذلك، فإنني أدعو وزارة الداخلية ومديرية الأمن العام والجهات المختصة إلى إعادة دراسة تجربة المرحوم اللواء شريف العمري، والكشف عن نتائجها وما تلاها من برامج، وتقييم واقع التعامل مع النزلاء المتطرفين، ومدى فاعلية إجراءات التصنيف والعزل الأمني عند الضرورة، وبرامج المراجعة الفكرية والتأهيل النفسي والاجتماعي.

كما أدعو إلى تشكيل فريق وطني متخصص، يضم خبراء أمنيين وقانونيين ونفسيين واجتماعيين وعلماء شريعة مؤهلين، لمراجعة السياسات المعتمدة في مواجهة التطرف داخل المؤسسات الإصلاحية، ووضع مؤشرات واضحة لقياس النتائج، بما يضمن حماية المجتمع وعدم تحول السجون إلى حواضن لإنتاج التطرف.

رحم الله اللواء شريف العمري، الذي أدرك مبكراً أن المعركة مع الإرهاب لا تبدأ لحظة إطلاق الرصاص، ولا تنتهي بإلقاء القبض على الإرهابي، وإنما تبدأ أيضاً بمواجهة الفكرة التي تسبق الجريمة، والبيئة التي تحتضنها، والعقول التي تتولى نشرها.

وأخيراً، فإن الوفاء لشهداء الوطن، وفي مقدمتهم شهداء أجهزتنا الأمنية، لا يكون بالترحم عليهم وإقامة بيوت العزاء وإصدار بيانات الإدانة فحسب، وإنما بمراجعة القوانين والسياسات والإجراءات، وسد الثغرات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض أو التجنيد أو التمويل أو ارتكاب الجرائم الإرهابية.

فالسؤال الذي يجب أن يشغل مؤسسات الدولة اليوم ليس فقط: كيف نعاقب الإرهابي بعد ارتكاب جريمته؟ بل كيف نمنع صناعة إرهابي جديد، خصوصاً إذا كانت بعض مراحل هذه الصناعة تحدث خلف أسوار السجون نفسها؟

حمى الله الأردن وقيادته، ورحم شهداءه، وحفظ نشامى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions