د.عبدالله محمد القضاه يكتب: «يا سامعين الصوت... يا هبّابين الريح»... أين ذهبت الفزعة الأردنية؟

د.عبدالله محمد القضاه يكتب: «يا سامعين الصوت... يا هبّابين الريح»... أين ذهبت الفزعة الأردنية؟
نبأ الأردن -
رحم الله الشهيد البطل العريف الشرطي جواد السلايطة، الذي ارتقى وهو يؤدي واجبه في حماية الوطن والمواطنين، ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يلهم أهله ورفاقه الصبر والسلوان.
لكن بعيداً عن مشاعر الحزن والغضب، ثمة سؤال موجع ينبغي ألا نتجاوزه: كيف يمكن أن يتعرض رجل أمن، يرتدي بزته العسكرية ويحمل مسؤولية حماية المجتمع، لاعتداء إجرامي في وضح النهار، وعلى مرأى من المواطنين، دون أن نجد المبادرة المجتمعية التي تليق بقيم الأردنيين وتاريخهم في النخوة والفزعة؟
في الذاكرة الشعبية الأردنية عبارة تختصر تاريخاً من الشهامة والتكافل: «يا سامعين الصوت... يا هبّابين الريح». كانت هذه العبارة كافية لأن تهبّ الرجال من بيوتها ودواوينها، بما توفر لديها من إمكانات، لنصرة مظلوم أو إغاثة ملهوف أو حماية مستجير. لم يكن الأردني يسأل عن اسم المستغيث أو عشيرته أو منطقته؛ فمجرد سماع صوت الاستغاثة كان كافياً لاستنهاض النخوة.
لم تكن الفزعة الأردنية مجرد شعار أو موروث من الحكايات، بل كانت منظومة قيم اجتماعية عنوانها أن كرامة الفرد من كرامة الجماعة، وأن الاعتداء على أحدنا ليس شأناً يخصه وحده.
إن ما حدث يضعنا أمام جرس إنذار اجتماعي وأخلاقي. فليس مطلوباً من المواطن أن يعرّض حياته للموت في مواجهة معتدٍ مسلح، ولكن من غير المقبول أن تتحول المسؤولية المجتمعية إلى مجرد مشاهدة صامتة؛ فهناك فرق كبير بين العجز عن التدخل المباشر وبين التخلي عن واجب النصرة، ولو بالاستغاثة، أو طلب النجدة، أو إبلاغ الأجهزة الأمنية، أو مساعدة المصاب، أو توثيق الجريمة بما يخدم العدالة.
رجل الأمن ليس غريباً عنا، وليس وحده في الميدان؛ إنه ابن هذا المجتمع، وواحد من أبنائه الذين يحملون أرواحهم على أكفهم من أجل أمننا جميعاً.
إن هيبة الدولة لا تصنعها المؤسسات الأمنية وحدها، بل تصنعها أيضاً ثقافة مجتمعية تحترم القانون، وتساند حماة القانون، وترفض الاعتداء عليهم أو تركهم لمصيرهم.
إن استشهاد جواد السلايطة يجب ألا يمر كخبر حزين في نشرات الأخبار، بل ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة أنفسنا، وإعادة إحياء قيم النخوة والشهامة والفزعة، وتعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية.
الأردن الذي نعرفه لا يترك مستغيثاً، ولا يتفرج على مظلوم، ولا يخذل من يقف في وجه الخطر دفاعاً عن الناس.
رحم الله جواد السلايطة، وحمى الله نشامى الأمن العام، وأعاد إلى مجتمعنا تلك الروح التي طالما ميّزت الأردنيين: روح الفزعة والنخوة والوقوف مع الحق.
فالأوطان لا يحميها القانون والسلاح وحدهما، بل يحميها أيضاً ضمير أبنائها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions