د. مهدي مبارك عبد الله يكتب: ماذا لو ترشح لولا دا سيلفا لرئاسة دولة عربية بالشعارات والمبادئ ذاتها؟!

د. مهدي مبارك عبد الله يكتب:  ماذا لو ترشح لولا دا سيلفا لرئاسة دولة عربية بالشعارات والمبادئ ذاتها؟!
نبأ الأردن -
قصة الصعود التاريخي للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا تطرح واحدة من أكثر العلامات الفارقة في دراسات الحكم الرشيد وإعادة هندسة التنمية الاجتماعية القائمة على تجفيف منابع الفساد والقطع الصارم مع النخب الاحتكارية التقليدية حيث تكتسب هذه التجربة اللاتينية العميقة بعداً إشكالياً وتساؤلاً حارقاً في المخيلة السياسية العربية المعاصرة وثمة أسئلة لا تحتاج إلى إجابات رسمية بقدر ما تحتاج إلى شجاعة في طرحها لأنها تكشف ما تحاول بعض الأنظمة إخفاءه خلف شعارات الاستقرار والأمن الوطني والإنجازات الوهمية ومن بين هذه الأسئلة سؤال يبدو افتراضياً لكنه يحمل إدانة سياسية وأخلاقية عميقة للواقع العربي وهو ماذا لو أن لولا دا سيلفا هذا القائد النقابي العصامي قرر خوض الانتخابات الرئاسية في أي بلد عربي حاملاً الأفكار والشعارات والمبادئ ذاتها التي أوصلته إلى رئاسة البرازيل اربع مرات؟ وأي مصير كان ينتظره في بلاد لا تزال بعض سلطاتها تنظر إلى شعوبها باعتبارها رعايا وليس مواطنين وإلى ثرواتها بانها ملكية خاصة للنخب المتنفذة وهل كان سيصل إلى قصر الرئاسة أم إلى زنزانة لا يغادرها إلا جثة هامدة أو يبقى اسماً في سجل المنسيين .

لولا دا سيلفا لم يولد في قصر ولم يتخرج من مدرسة النخب السياسية والمالية ولم ترث مجد عائلة نافذة او منصباً أو ثروة طائلة بل إنه عامل معادن ونقابي خرج من بيئة الفقر والحرمان وعرف معنى الجوع المزمن والعمل الشاق قبل أن يعرف طريق السياسة لكنه لم يعتبر فقره قدراً على شعبه ولم يتعامل مع السلطة باعتبارها امتيازاً شخصياً بل مسؤولية تاريخية تجاه الملايين الذين لا يملكون سوى قوة عملهم وحقهم المشروع في حياة كريمة وحين وصل إلى الحكم جعل مكافحة الجوع والفقر وتقليص الفوارق الطبقية وتوسيع الرعاية الاجتماعية والتعليم في صدارة أولوياته حيث أطلق برنامج ( بولسا فاميليا ) الذي ساهم في انتشال نحو عشرين مليون برازيلي من الفقر بين عامي 2003 و2009 وفق بيانات رسمية اصدرها البنك الدولي وهنا تبدأ المقارنة التي لا تحتمل المجاملة لأن ما اعتبره لولا واجباً وطنياً تجاه شعبه قد تعتبره سلطات عربية كثيرة تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها ووجودها .

تخيلوا أن عاملاً عربياً بسيطاً صعد من مصنع أو منجم أو نقابة عمالية ليعلن أن رغيف الخبز حق وليس منحة وأن العلاج والتعليم مسؤولية الدولة وليسا مكرمة او سلعة لمن يملك المال والقدرة وأن الثروة الوطنية ليست غنيمة تتقاسمها العائلات النافذة وشبكات المصالح المشتركة والوسطاء وأن من حق الفقراء أن يحصلوا على نصيب عادل من خيرات بلادهم في تصوركم ماذا سيكون رد الفعل هل ستفتح له وسائل الإعلام الرسمية أبوابها أم ستبدأ حملات التشويه والتخوين وهل ستسمح له الأحزاب المحاصرة والمفرغة من خضورها ومضمونها واستقلالها بمنافسة أصحاب النفوذ أم ستتحرك ضده أجهزة الدولة العميقة لإجهاض مشروعه قبل أن يصل إلى صناديق الاقتراع خاصة وانه في كثير من البيئات السياسية العربية لن يكون الخوف من برنامجه الانتخابي بل من قدرته على تحويل المظلومين من جمهور صامت إلى قوة سياسية منظمة تعرف حقوقها وتطالب بها وتثور من اجلها .

المشكلة الحقيقية أن بعض الأنظمة العربية لا تخشى الفقر بقدر ما تخشى الذين يريدون إنهاءه والقضاء عليه ولا تنزعج من البطالة بقدر ما تنزعج من الذين يفسرون أسبابها ودوافعها ولا يقلقها تبديد المال العام بقدر ما يقلقها من يطالبون بمحاسبة المسؤولين عنه لان مكافحة الفساد في خطابها العلني شعار للاستهلاك اليومي بينما تصبح جريمة سياسية حين تقترب من مراكز النفوذ وابناء الذوات واصحاب صفقات الامتيازات وعقود الاحتكار وأن محاسبة الفاسدين مطلوبة ما داموا خارج دائرة الحماية الخاصة أما إذا اقتربت من أصحاب القرار والمقربين منهم فإن أبواب المساءلة تغلق فورا وتتحول المطالبة بالشفافية إلى تطاول على هيبة الدولة وتشويه سمعتها وهكذا تصبح الدولة في بعض النماذج العربية ملكاً للسلطة المتسلطة بدلاً من أن تكون أداة لخدمة الدولة والشعب.

لولا دا سيلفا الرئيس الذي دافع عن دور الدولة في حماية مصالح المجتمع والحفاظ على الأصول الاستراتيجية ورفض التفريط بالمؤسسات الوطنية الكبرى لصالح مشاريع الخصخصة غير المحسوبة لو كان عندنا لوجد نفسه في مواجهة منظومة اقتصادية عربية اعتادت على تحويل ممتلكات الشعوب إلى فرص استثمارية لنخبة محدودة وفي ذات السياق كيف لو طالب رئيس عربي بإخضاع الموانئ والمطارات والمناجم وقطاعات الطاقة والمياه للرقابة العامة وكشف عقود الامتياز المشبوهة وأوقف نزيف المال العام ووضع حداً لاقتصاد السمسرة والاحتكار والوكالات الحصرية كم من المصالح ستنهار وكم من الأسماء ستفقد امتيازاتها وكم من الحملات ستنطلق لتصويره بوصفه عدواً للاستثمار والتنمية والوطن وليس خافي بإن أخطر ما يهدد هذه الشبكات ليس خطاباً ثورياً عابراً بل رئيس يمتلك الإرادة الشعبية والقرار السياسي والقدرة على نقل المال والفرص من جيوب المحتكرين إلى مصالح المجتمع وأبنائه .

أما قضية الديون الخارجية التي تحولت في عدد من البلدان العربية إلى قيد ثقيل على حاضر الأجيال ومستقبلها فإنها تستحق مواجهة لا تقل صراحة فكيف يمكن لدول عربية تملك النفط والغاز والفوسفات والمعادن والأراضي الزراعية والموانئ والمواقع الاستراتيجية أن تترك قطاعات واسعة من شعبها أسيرة الغلاء والفقر والبطالة ثم تطلب من المواطنين تحمل مزيد من الضرائب والرسوم ورفع الدعم عن السلع الاساسية وتقليص الخدمات العامة ورفع الاسعار بحجة الإصلاح الاقتصادي  وكيف يصبح  المواطن الحلقة الأضعف في كل معادلة مالية بينما لا تخضع السفرات والمياومات والامتيازات والإنفاق غير الضروري على المكاتب الوثيرة والسيارات الفارهة والرواتب الخيالية والصفقات الكبرى للمحاسبة بالصرامة ذاتها للحقيقة إن صندوق النقد الدولي ليس هو المسؤول وحده عن إخفاق السياسات

mahdimubarak@gmail.com
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions