د.عبدالله محمد القضاه يكتب: التحديث السياسي أمام اختبار الممارسة: أحزاب البرامج أم أحزاب المواقع؟
نبأ الأردن -
لم يكن الجدل الذي أثارته التوافقات النيابية الأخيرة حول توزيع مواقع المكتب الدائم لمجلس النواب الأردني؛ وما رافقه من اعتراض على استبعاد كتلة حزب الأمة، مجرد خلاف عابر على مواقع قيادية أو ترتيبات إجرائية داخل المجلس. فقد كشف هذا الجدل عن سؤال أعمق يمس جوهر التحول الذي يشهده الأردن في إطار مشروع التحديث السياسي: هل تستطيع الأحزاب الجديدة أن تترجم التحول التشريعي والتنظيمي إلى ممارسة ديمقراطية ناضجة، أم أن المواقع ستظل تسبق البرامج؟
لقد قام مشروع التحديث السياسي على رؤية استراتيجية واضحة، غايتها الانتقال التدريجي من العمل النيابي الفردي إلى العمل الحزبي البرامجي، وبناء أحزاب قادرة على تشكيل حكومات برلمانية، وإنتاج قيادات مؤهلة، والمشاركة الفاعلة في صناعة القرار الوطني. غير أن نجاح هذا التحول لا يُقاس بعدد الأحزاب المرخصة، ولا بعدد النواب المنتمين إليها، ولا بحجم حضورها في المواقع القيادية؛ بل يُقاس بقدرتها على إنتاج ثقافة سياسية جديدة، قوامها البرامج، والتنافس الديمقراطي، والتعددية، واحترام الاختلاف.
من هنا، فإن ما أثير بشأن استبعاد كتلة نيابية من التوافقات يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تتحول التوافقات الحزبية إلى أداة لبناء الشراكات السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة، أم تنزلق إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ والمواقع بين القوى الأكثر قدرة على التفاوض؟
لا شك في أن التوافقات والتحالفات ممارسة ديمقراطية أصيلة، بل إنها ضرورة لإدارة البرلمانات وتشكيل الأغلبية. لكن قيمتها السياسية لا تُقاس بعدد المواقع التي تُوزَّع، وإنما بالأسس التي تقوم عليها، ومدى شمولها، ووضوح أهدافها، وقدرتها على إنتاج تفاهمات تتجاوز المصالح التنظيمية الضيقة إلى برامج تشريعية ورقابية مشتركة. فالتوافق الذي يغلق أبواب المشاركة أمام أطراف أخرى قد يحقق مكسباً آنياً، لكنه لا يؤسس بالضرورة لحياة برلمانية مستقرة، ولا يبني ثقة سياسية قابلة للاستمرار.
والأهم أن هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين الأحزاب وكتلها النيابية. فمن الطبيعي أن يؤدي الحزب دوراً في توجيه ممثليه وتنسيق مواقفهم والدفاع عن برنامجه السياسي، لكن هذا الدور ينبغي أن يستند إلى قواعد مؤسسية واضحة، تجعل العلاقة بين القيادة الحزبية والكتلة النيابية علاقة تكامل وتنسيق، لا علاقة تبعية أو تنازع على الصلاحيات. فالحزب ليس مجرد مظلة انتخابية، والكتلة ليست مجرد امتداد تنظيمي للأمانة العامة؛ بل إن كليهما مؤسستان سياسيتان ينبغي أن تتكاملا في إطار المسؤولية الديمقراطية واحترام التفويض والإرادة النيابية.
إن التحدي الحقيقي أمام الأحزاب الأردنية اليوم هو الانتقال من مرحلة بناء الهياكل التنظيمية إلى مرحلة بناء القيمة السياسية. فالحزب الذي لا يمتلك برنامجاً واضحاً، ولا يمارس الديمقراطية داخل مؤسساته، ولا يجدد قياداته، ولا يحسن إدارة الاختلاف بين أعضائه، لن يصبح حزباً فاعلاً لمجرد امتلاكه كتلة نيابية أو موقعاً في المكتب الدائم. كما أن تحويل التنافس الحزبي إلى سباق على المواقع قد يعيد إنتاج أنماط سياسية تقليدية بأسماء وأطر تنظيمية حديثة؛ وهو ما يتعارض مع الغاية الاستراتيجية التي أُطلق من أجلها مشروع التحديث.
وهنا تبرز مسؤولية وطنية تتجاوز الأحزاب والكتل النيابية إلى المؤسسات الراعية لمسار التحديث السياسي. فنجاح التجربة يتطلب الانتقال من التركيز على استكمال البنية التشريعية والتنظيمية إلى متابعة جودة الممارسة السياسية، وقياس أداء الأحزاب والكتل وفق معايير موضوعية تشمل الديمقراطية الداخلية، والالتزام البرامجي، والمشاركة في التشريع والرقابة، والقدرة على بناء التحالفات، وإنتاج القيادات والكفاءات السياسية.
كما تحتاج المرحلة المقبلة إلى ترسيخ تقاليد برلمانية جديدة، يكون فيها التنافس على أساس البرامج والكفاءة، ويقوم التوافق على المصالح الوطنية، وتُمارس المعارضة بوصفها حقاً دستورياً ومسؤولية سياسية، لا حالة من الإقصاء أو العزلة. فالديمقراطية لا تعني أن تحصل جميع الأحزاب على مواقع قيادية، وإنما تعني أن تتوافر للجميع فرص عادلة للتنافس، وأن تكون صناديق الاقتراع والإجراءات المؤسسية هي الفيصل.
إن الرهان الاستراتيجي للأردن لا يتمثل في الوصول إلى برلمان ذي أغلبية حزبية فحسب، بل في بناء منظومة سياسية قادرة على إنتاج حكومات برلمانية مستقرة، تستند إلى برامج قابلة للتنفيذ، وتتحمل مسؤولية نتائجها أمام المواطنين. وهذا يتطلب أحزاباً تمتلك القدرة على الانتقال من منطق المشاركة في ا…

























