ميسر السردية تكتب: في ظلال المأساة

ميسر السردية تكتب: في ظلال المأساة
نبأ الأردن -
الجهل والإقصاء وإصدار أحكام التكفير ليس طارئا ولا خاصا موسوما بجماعة دون غيرها، وليس مقتصرا فقط على ما بين دين ودين، بل يتعدّاه إلى داخل الدين الواحد والمذهب الواحد. بل يكاد المرء يخشى النقاش في مجلس يتصدره جاهل أو جاهلة .
قبل فترة كنت في بيت عزاء، تدخل نساء يتصدرن الوعظ بالنساء الحاضرات، لا أدري من أين يتقاطرن. بدأت إحداهن تذرع المجلس ذهابا وإيابا بين المعزيات تعظ بطريقة تعليمية، سكت الجميع وكأنهم يخشون الرد أو السؤال، وهي تواصل قصصها. أجزم أنها لو قالت: "استلقوا على الأرض" لاستلقينا جميعا.
كنت أتابع ما تقول، ولا أدري ما الداعي لذلك مع أن المجلس مجلس عزاء. قالت: إن تسمية المنخفض الجوي باسم أنثى تُعدّ كفرا. لم أتمالك الصمت وهززت رأسي بين الحاضرات، وقاطعتها: "وما الكفر في ذلك؟" التفتت نحوي بتعالٍ وقالت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ﴾. تجرأت أكثر فقلت: "ولكن هذه الآية لا تنطبق على المنخفض الجوي، ثم هل أنتِ مجازة للوعظ من وزارة الأوقاف؟" شزرتني بنظرة نافذة، وقالت: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
قمت أتهيأ للهروب أكثر من معنى الخروج، حتى وقع اشتباك لها مع إحدى الحاضرات، حيث تشعّب وعظها ووصل الحديث إلى الشهادة، فاعترضت سيدة والكل صامت: "ولكن ياسر أبو شباب عميل وليس شهيدا، بل مجرم قتل الأبرياء! كيف تعتبرينه شهيدا؟" ولا أستبعد أننا لو استمررنا بالنقاش بالأدلة من كتاب الله وكتب العلماء وخالفنا المرأة، لَما خرجنا سالمتين من مأزق تكفيري، أقلّه أن نُطرد بالأحذية.
الفكرة قديمة جديدة، ومعالجتها ليست إعلامية بنت ساعة الحدث. والسؤال: كيف يكون التوجيه والوعي وإعادة الإسلام إلى اعتداله في ظل هذه الفوضى التي لا ينأى عن المشاركة فيها من هبّ ودبّ، والتي لم تعد محصورة بمنبر واحد، بل يستطيع مجهول يظهر في "ريلز" اختطاف عقول من يسمعونه، وكأنهم للتو دخلوا العقيدة؟ كم يا ترى من خلايا خفافيش لا ندري عنها شيئا؟ هذه قضية كبرى، مداواتها لا تكون بالطبطبة وترديد كليشيهات المواساة، فهذه لا تغني ولا تحول دون انفجارها في أي زمن وأي مكان.
وأنا أكتب أخشى التكفير الذي لم يعد غريبا سماعه حتى على ألسنة الصغار... فاليد قابضة على زناد سلاح الأشداق والرصاص.
والسلام على أرواح شهداء قرية حمود، وعلى ذويهم وجرحاهم، في كل وقت وحين.

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions