ميسر السردية تكتب: ثقافة القراءة العميقة في زمن التصفح السريع

ميسر السردية تكتب: ثقافة القراءة العميقة في زمن التصفح السريع
نبأ الأردن -
أنهيت إعادة توجيه رسائل مجموعة تحيات الصباح للعائلة والأصدقاء، وتصفحت مجموعات الواتس آب، ومررت سريعاً على الفيس بوك لأطلع على أول ما يكون من منشورات، وكتبت "عظم الله أجركم" لعدد من الأشخاص، وأجلت الاستماع للفيديوهات وقراءة مقالات لأدباء وسياسيين لوقت آخر. أفضل وقت بالنسبة لي لقراءة الكتب الوازنة من فكر ديني وسياسي وفلسفي، الذي يتيسر فيه التركيز وإدراج الملاحظات، هو وقت الصباح.
بدأت في قراءة كتاب العقاد "ساعات بين الكتب"، وصلت إلى مقالته عن حرية الفكر، وصل إشعار للهاتف الذي ركنته جانباً، فقررت عدم إلقاء نظرة عليه، لكن الفضول غلبني، فرحت أعيد نفس الفقرة دون أن أفهم شيئاً، أفكر: من أرسل لي وماذا يريد؟ مع أن جل الرسائل لا تحمل شيئاً مهماً، قد تكون لتحديث تطبيقات أو إعلانات أو من شركة الاتصالات والتمويل والمولات، وأحياناً من متطفلين، لعله حكي ليس أكثر. حاولت التركيز، وقراءة العقاد لا تشبه قراءة مقال سياسي ولا أقصوصة بسيطة، بل تحتاج كل جملة من جمله المحملة بالفكر والأدب والفلسفة ونحت اللغة إلى التدبر والتذوق والتروي.
نازعتني الوسوسة، لن أتعطل لو نظرت ولمحت من هو المرسل من على سطح الشاشة وكفى ، لا ضير من الاطلاع على فحوى الرسالة، فالمرسل الأستاذ بسام ناصر، المشرف العام على مجلة المنتدى العالمي للوسطية ، و يطلب مني المشاركة بمقال حول "مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على القراءة الثقافية العميقة". موضوع جيد، حدثت نفسي: هل أكتب أم اعتذر؟ ، فمواقع "التواصل كلها" ضارة ونافعة في ذات الوقت، والقراءة العميقة قد يختلف معناها بين هذا وذاك. هل يجوز اختصار طبيعة هذا العمق بحديث طه حسين وطريقته في قراءة كتاب مثلا، حيث قال:
"إنما أقرأ الأدب بقلبي وذوقي، وبما أتيح لي من طبع يحب الجمال، ويطمح إلى مثله العليا، والكاتب المجيد عندي، هو الذي لا أكاد أصحبه لحظات حتى ينسيني نفسي، ويشغلني عن التفكير، ويصرفني عن التعليل والتحليل والتأويل، ويسيطر علي سيطرة تامة، تمكنه من أن يقول لي ما يشاء دون أن أجد في نفسي القوة على أن أعارضه، أو أقاومه، أو أنكر عليه شيئاً مما يقول، حتى إذا فرغت من قراءة أثره الأدبي، واضطررت بحكم هذا الفراغ إلى أن أفارق الكاتب وأشغل عنه وعن أثره وقتاً ما، استطعت بعد ذلك أن أعود إلى الأثر الذي بقي في نفسي بعد القراءة فأفكر فيه، وأخضعه للنقد أو التحليل والتعليل".
والعميد هنا لا يقطع قراءته رنين ولا إشعار ولا فيديو عشوائياً، إنما أخلى بينه وبين الكاتب والكتاب والقلم.
إذن سأكتب مما يحدث معي بعيداً عن الطريقة التقريرية الجافة. لن أرد على الهاتف الذي بدأ يرن أيضاً، اسم عمتي يلح في مواصلة الاتصال مرة ثانية، لا بد أن هناك شيئاً مهماً. نصف ساعة وهي تحدثني عن الدالية ومعاناتها مع العصافير التي تنقر العناقيد، ومتى أذهب لنيل حصتي منها، وهكذا لم أستطع تركيز فكرة كمدخل لموضوع المقالة، حتى أنقذني أذان الظهر. الهاتف على طاولة بقرب سجادة الصلاة، صار حمله يشبه حمل السلاح في صلاة الحرب، يرافقني حيثما تحركت في البيت. قد تكون هذه حالة من حالات الإدمان العصرية، أسوة بباقي المدمنات التي تسلب العقل، وإلا ما هي الضرورة التي تجعلني وأنا في المصلى أستطلع الإشعارات التي طنت خلال ثلث ساعة؟ رسائل على الإنستغرام، ونكات على الواتس آب، وأخرى على فيسبوك لمنشورات بعضها لا يتجاوز فقرة أو صورة... مقولات لكتاب مشاهير اطلعت على بعض كتبهم ولم أقرأ هذه المقتبسات المنسوبة إليهم، رسالة تحتوي أقوالاً لكاتبة روسية ساخرة لم أسمع بها من قبل. حدثت نفسي: ترى لو لم أنشغل بالقفز من تطبيق لآخر لكنت جئت بعمق على معظم كتاب العقاد الآن، أو أنجزت ما كتبته.
لم يعد هناك مجال للقراءة، هذه الانقطاعات تصيبني بفتور وتراخ، ويصير الكتاب عبئاً أقلب صفحاته بجفاء. وبما أنه ذهب معظم النهار وحان موعد المطبخ، حاولت استثمار وتعويض الهدر، ففتحت على منصة بودكاست لأكمل حلقة من سلسلة "تاريخنا" عن الحروب الصليبية للمؤرخ خالد الهامي، أستمع شيئاً وأضيع أشياء، أجفف يدي وأعيد مقطعاً، ثم أقيد بعض المراجع التي يذكرها كي أقرأ لاحقاً من المصدر، فبالطبع لا يكفي الاستماع للبودكاست الأشبه "بالسندويتش" للتعمق بتفاصيل تلك الحروب التي قد يكون بني عليها ما لحق من تاريخ.
لا أدري إن كانت هذه افتتاحية مناسبة للكتابة عن مقترح المقال، ولا أدري إن كانت تصلح كمثال حي أو يفضل الاستغناء عنها من باب لزوم ما يلزم.
المفارقة أنني كما ذكرت أعلاه كنت متعمقة في كتاب العقاد، تحديداً عند مقال "حرية الفكر" الذي كتبه عام ١٩٢٧، يثني في فقرة منه على كتاب للمفكر سلامة موسى "حرية الفكر وأبطالها في التاريخ" فيذكر: "إن موسى قرّب هذه التراجم والحوادث إلى الذين لا يعثرون بها في المطولات، وأكثر القراء الآن لا يرجعون إلى المطولات ولا يألفون من الكتب المقروءة إلا ما يحمل في اليد أو يوضع في الجيب..." إذا كان العقاد يتحدث عن مزاج قراء ذلك العهد بهذا الوصف الذي كانت فيه الأمية أوسع، وانتشار الكلمة المطبوعة أضيق، ومن يقرأ يكون أميز وأعمق ممن لا يقرأ، فكيف يا ترى سيصف قراء عهدنا "الميدياوي" الذي سيطر عليه الصوت والصورة وسفاسف الاهتمامات في الشكل والمضمون التي شخصها مطولاً المفكر آلان دونو؟ فبتنا كلنا رغماً عن إرادتنا ندور في "نظام التفاهة" الذي إن لم يقتحمنا سرنا إليه كالمنومين، لا نعي أي الممرات نسلك، ولا بأي الجدران نتصادم، فنستفيق إن كان في الاستفاقة فائدة.
إذن القصة وما فيها تدور حول الهاتف الذي صار مخزناً محمولاً لكل وسائل التواصل الاجتماعي، المطبوع والمصور والمسموع. ولو أن من عزوا حالة العزوف عن الكتب، ومن ثم القراءة عميقها وسطحيها سابقاً، إلى انتشار وسائل الترفيه من تلفزيون وسينما ومسرح في منتصف القرن الماضي، وحاولوا في هذه اللحظة من ثورة الميديا تشخيص الحالة مرة أخرى، لرفعوا شعار "لا كتابة بعد اليوم" إلا بعد دحر معاقل وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا ما لن يفلحوا في الانتصار عليه، حيث صارت هذه الوسائل نفسها وسيلة يلجأ إليها الكتاب والوراقون للترويج لبضاعتهم، غثها وسمينها، عبر مقتطفات بواسطة مختلف نوافذ الإنترنت، يمر أغلبها دون أن يتمعن فيه أحد، فكيف بمن يبحث عن عمق أيضاً؟
بداية الألفية كتب المفكر جلال أمين كتاب "عصر الجماهير الغفيرة"، وقد يكون رحمه الله لو كان بيننا اليوم لاستبدل عنوان كتابه بـ"ما بعد عصر". في مقال عن الهاتف المحمول الذي كان للتو قد انتشر على نطاق ضيق بين المقتدرين على اقتنائه، وبما لا يكاد يذكر تطبيقات، يذكر فيه أنه: "يُروى عن الرسام الفرنسي الشهير أوجست رينوار، أن صديقاً له جاءه ليخبره عن اختراع خطير ظهر حديثاً، ولم يكن رينوار قد سمع به، وهو التليفون. وصف الصديق جهاز التليفون لرينوار، وكيف يستخدم في التخاطب بين شخصين قد تفصل بينهما مسافة بعيدة. سأله رينوار: ولكن لنفترض أن جرس التليفون دق في منزلي أثناء انهماكي في الرسم، هل يتعين علي ترك الرسم لأذهب وأجيب عليه؟ فقال صديقه: نعم، فأجاب رينوار: في أي شيء أختلف إذن في هذه الحالة عن الخادم الذي أدق له الجرس فيهرع إليّ؟"
قديماً خشي رينوار أن يقطعه الرنين عن التعمق في رسم لوحته، وشبه الاستجابة بالخادم والمخدوم، فما تراه قد يصف وسائل التواصل الاجتماعي الآن لو ألقي بتلفون في مرسمه. يضيف جلال أمين: "لقد استسلمنا له استسلاماً كاملاً، فأصبحنا نسمح لكل من هب ودب أن يستدعينا بجرس التليفون من أي مكان وفي أي زمان، ليلاً أو نهاراً، وأياً كان العمل الذي قد نكون مشغولين به، مهماً كان أو غير مهم، وذلك استجابة لوازع خفي وغير مفهوم، أو لأمل غامض في أن تنطوي هذه المكالمة من مجهول على تحقيق لأمل قديم لنا لم يتحقق حتى الآن."
لم يتحرر التليفون فقط من الالتصاق في مكان محدد ومن السلك المربوط به، بل أصبح الشخص، أياً كان مكانه، قادراً بلمسة زر على تبادل الحديث مع أي شخص على وجه الأرض. جهاز تواصل، كتابة وصوت، مراقبة عملك أو بيتك، طلب طعام أو مواصلات، وتسلية في مشاهدة حدث، ومجال للشهرة، وجمع المال، والنصب والاحتيال، ونشر الإشاعات أو الأحداث، وحشد الجماهير، فبواسطته قد تقود ثورة، وتدب الفتن، وتنقل الخبرات، وتشوه الوعي أو تخترقه، أو توعي، وتلتقط الصور والفيديوهات، وتنشر المقالات والمنشورات، وتنقل الروايات لحدث ما، ووسيلة للفضيحة والتشهير، ومدقق لغوي، وإجراء صفقات تجارية، وترويج للسلع، وتبليغ المخالفات والمحاكمات، بل أداة للقتل أو الإنقاذ، وفيه تجتمع أفراد العائلة أو سكان عمارة أو زملاء عمل أو مجموعة كتاب. هذا ما كان قبل عقدين ونيف، فكيف سيكون رأي جلال أمين لو عدد نوافذ التواصل التي تستحوذ على معظم الوقت والانتباه حتى ونحن في السيارات أو نسير في الأسواق، وماذا سيكتب عن تأثيرها على ثقافة القراءة العميقة؟
في ظل اتساع وحضور وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنتها على انتباهنا ووقتنا، بحيث لم تعد القراءة العميقة تواجه منافساً عابراً، بل نمطاً جديداً من استهلاك المعرفة، من الممكن التساؤل حول طبيعة قراءتنا وشروطها وهدفها، ومتى وكيف تكون استيعاباً وتفكراً وتدبراً وتأملاً، بعيداً عن التشظي عبر التصفح السطحي السريع كطي السجل للكتب، حتى قد ننسى من هو الكاتب أصلاً.
وأهل علم الاجتماع والنفس رصدوا مدى هذا التأثير أيضاً، وقدرة خوارزميات التواصل الاجتماعي على إثارة "الدوبامين" عبر تصميم آليات نفسية ذكية تحاكي نظام المكافأة الطبيعي، والخوف من فوات الشيء والأخبار والأحداث المهمة عند الابتعاد عن الهاتف، مما يضعف الانتباه ويضعف التركيز، حيث يعتاد الدماغ على التحفيز السريع والقصير. تعليقاً على ما سبق يقول أستاذ علم الاجتماع نديم المنصوري:
"إن الخطر الحقيقي الذي تشكله وسائل التواصل الاجتماعي ليس في أنها تبعدنا عن القراءة، بل في أنها تعيد هندسة أدمغتنا لتصبح عاجزة عن التركيز الطويل. عندما يعتاد العقل على ملاحقة فيديوهات الريلز والمنشورات القصيرة، يصاب بحالة من التشتت المزمن. القراءة العميقة للدراسة الفكرية والفلسفية وحتى الرواية تتطلب صبراً وبناءً تدريجياً للخيال والمعنى." ويصف المنصوري قارئ اليوم بـ"القارئ القفاز" الذي يمر على العناوين والسطور الأولى دون أن يغوص في العمق، مما ينتج مجتمعاً يمتلك معلومات هائلة لكنه يفتقر إلى الوعي النقدي والقدرة على التحليل الشامل.
رأي المنصوري يعني أن وسائل التواصل الاجتماعي تمنحنا وهماً بالمعرفة، فمتابعة ملخص كتاب في دقيقة واحدة على "تيك توك" أو قراءة اقتباس على "إنستغرام" يجعلنا نظن أننا استوعبنا الفكرة. وهذا ما يشير إليه علم النفس الإدراكي، حيث أن المعرفة الحقيقية لا تأتي بالوجبات السريعة. القراءة العميقة في كتاب مطبوع تدخل الدماغ في حالة تشبه "التأمل الواعي"، إذ تنشط مناطق ربط المفاهيم والذاكرة طويلة المدى. في حين تبقينا وسائل التواصل الاجتماعي في حالة طوارئ ذهنية مستمرة بسبب الإشعارات اللانهائية، مما يجعل الانتقال من تصفح المنشور إلى قراءة كتاب تحدياً نفسياً شاقاً يتطلب مجاهدة حقيقية لاستعادة زمام الانتباه.
وللإنصاف وعدم التجني، لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في الترويج للكتب والروايات والمقالات، وآخر ما جادت به دور النشر، وجسرت العلاقة بين القارئ والمؤلف مباشرة، وأتاحت وصوله للعامة بعيداً عن دوائر الرقابة والمنع، ومعرفة تنوع الآراء حول فحوى الكتاب. وبواسطتها أيضاً بزغ جيل من الكتاب والرواة والسياسيين والناشطين من ذوي الرأي فيما يحدث في العالم.
وختاماً: يظل السؤال: هل نفهم ما نقرأ ونحن نتنقل بين "الستوري" وآخر؟ فنرى شخصاً مبتسماً يصدر لنا صورته حاملاً كتاباً في معرض ما، مدموغاً بإهداء الكاتب له، هل ذلك أكسسواراً نُخبر به المتصفح أننا نقرأ، أم أن كل هذا الانشغال لا يتجاوز مودة "التريند الثقافي" وشراء كتب قد ننسى عناوينها وأسماء كتابها حتى يعفي عليها غبار الزمن، وتذيبها رطوبة الإهمال واللهاث وراء ما فتحه التطور من سلطان جديد لعصر وسائل التواصل.. ويظل حاضرا رنين هاتف رينوار.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions