أمجد المسلماني يكتب: أردننا جنة… حين يكون ردُّ الفعل أكبر من السؤال
نبأ الأردن -
السؤال لا يهدم إنجازًا، بل يكشف حجمه الحقيقي. والنقد لا يستهدف البرامج الوطنية، بل يحميها من الأخطاء ويدفعها إلى الأفضل.
من هذا المنطلق، لم نهاجم برنامج «أردننا جنة»، ولم نطالب بإلغائه أو ننكر أي إنجاز تحقق من خلاله. كل ما طالبنا به هو تقييم عادل وشفاف، يقيس نجاح البرنامج بما أحدثه من أثر حقيقي في المحافظات وعلى المنشآت والعاملين في القطاع، لا بحجم المديح الذي يُقال فيه.
لكن اللافت أن ردَّ فعل القائمين على البرنامج كان أكبر من الملاحظة نفسها. وكان الأجدى تقديم إجابة هادئة ومدعومة بالأرقام؛ فالمؤسسة الواثقة من إنجازها لا تنزعج من السؤال، بل تجيب عنه بالحقائق. وحين يصبح الرد أكبر من السؤال، يتحول الرد نفسه إلى سبب لطرح مزيد من الأسئلة.
ولنأخذ البتراء مثالًا واضحًا: هل استفادت فعلًا من البرنامج؟ وهل لمس العاملون في قطاعها السياحي أثرًا يتناسب مع حاجتها ومكانتها؟ بحسب ما نراه ونسمعه، لم ينعكس أثر البرنامج عليها بالشكل المطلوب.
وفي الوقت الذي تتمتع فيه العقبة ومخيمات وادي رم بحركة سياحية قائمة أصلًا، كان الأولى منح البتراء ومكاتب السياحة الوافدة والعاملين في القطاع اهتمامًا أكبر. نحن لا نعترض على استفادة أي جهة أو منطقة؛ إنما نسأل عن عدالة الأولويات واتساع دائرة الاستفادة.
ومن هنا، ننتظر من رئيس مجلس مفوضي سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، الذي نعرف جرأته وحرصه على البتراء والعاملين فيها، أن يوضح للرأي العام بكل صراحة: ماذا استفادت البتراء فعليًا من برنامج «أردننا جنة»؟ وما حجم الأثر الذي تحقق على أرض الواقع؟
كما سارعت بعض الجهات المرتبطة بالبرنامج أو المستفيدة منه إلى الدفاع عنه، وهذا حقها. لكن رأي المستفيد، مهما كان إيجابيًا، لا يُعد تقييمًا مستقلًا، ولا يكفي وحده لمنح البرنامج شهادة النجاح.
إذا كانت النتائج كما يُروَّج لها، فلتعلن الوزارة الأرقام بوضوح: من استفاد؟ وكيف توزعت الرحلات والمنافع؟ وما حصة البتراء؟ وكم مكتبًا ومنشأة وعاملًا استفاد؟ وما الأثر الاقتصادي الذي بقي داخل المحافظات والمجتمعات المحلية؟
نحن أبناء هذا القطاع ونعرف واقعه وتفاصيله. وكثيرون يحملون الملاحظات نفسها، لكنهم يفضلون الصمت خوفًا على مصالحهم. غير أن الصمت لا يعني الرضا، كما أن ارتفاع صوت المدافعين لا يجعل موقفهم أكثر صحة.
وأنا على يقين بأن دولة رئيس الوزراء يعرف كثيرًا مما نعرفه، وربما تتوافر لديه معلومات وتقارير أوسع وأدق. وأثق بأن أي تقييم جاد لن يتأثر بالضجيج، بل سيستند إلى الأرقام والنتائج والأثر الحقيقي.
واجبنا أن نقول ما نراه صحيحًا، وواجب الوزارة أن توضح وتجيب وتقدم الأدلة. فنحن لا نريد إلغاء البرنامج، بل نريد تصويب مساره، وتوسيع فائدته، وضمان وصول أثره إلى من يستحقه.
فالضجيج لا يصنع نجاحًا، وكثرة الترويج لا تعوّض غياب الأرقام، والانفعال لا يُغلق باب السؤال. البرنامج الناجح لا يحتاج إلى من يدافع عنه؛ لأن نتائجه هي التي تتحدث عنه.
وما نريده ببساطة هو شفافية في الأرقام، وعدالة في التوزيع، وأثر يراه الجميع؛ حتى يصبح «أردننا جنة» فعلًا برنامجًا لكل الأردنيين.

























