عبدالله بني عيسى يكتب : يا معشر "المتشفين" بفرنسا

عبدالله بني عيسى يكتب : يا معشر المتشفين بفرنسا
نبأ الأردن -
لا تتعجلوا التشفي بانهيار فرنسا وأوروبا!
لا أخفيكم أنني أشعر بالتقزز وأنا أتابع تعليقات ناطقين بالعربية على صور المظاهرات وأخبار التخريب والحرق في فرنسا ودول أوروبية. تظهر المئات منها حالة من التشفي بل والابتهاج، وكأن بعضنا ينتظر سقوط المجتمعات المتقدمة ليثبت لنفسه أن العنف والتخريب ليسا حكراً على مجتمعات بعينها نعرفها جيداً!! أو ليبرر إخفاقات مجتمعه، أو ينتقم رمزياً من عالم يشعر بأنه ظلمه.

ثم يأتي التشفي السياسي: «أهذه هي الديمقراطية؟»، و«هذه بضاعتكم ردت إليكم!». وكأن مشاهد العنف في شوارع باريس دليل على فشل الديمقراطية، أو برهان على أن المجتمعات التي بنت مؤسساتها عبر قرون لا تختلف عن المجتمعات التي عجزت عن بناء مؤسسات راسخة تحمي الدولة والمجتمع من الانهيار عند أول اختبار كبير.

بعض هذه المواقف ينطلق من خلفيات دينية أو ثقافية ترى في النموذج الغربي خصماً، وبعضها من رغبة في تحطيم صورة الغرب وتقزيم إنجازاته؛ ذلك النموذج الذي ظل، بالنسبة إلى كثيرين، مرآة تكشف حجم الفجوة بين ما حققته تلك المجتمعات وما أخفقنا في تحقيقه.

المفارقة أن يأتي شخص من مجتمع عجز عن بناء نموذج مستقر للحكم الرشيد، أو عن حماية مؤسساته من الانهيار، ليعاير مجتمعات قطعت قروناً في بناء الدولة الدستورية، وتطوير القانون، وترسيخ الحريات، وتكريس التداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الإنسان. لا يعني ذلك أن التجربة الغربية بلا عيوب، أو أن الديمقراطية تحل جميع المشكلات، بل يعني أن نقدها يحتاج إلى فهم تجربتها، لا إلى انتظار مشاهد العنف لتبرير إخفاقاتنا.

ما يحدث في فرنسا أيها الشباب لا يثبت فشل الديمقراطية، بل يكشف أن الديمقراطية، مهما رسخت مؤسساتها، لا تستطيع القضاء نهائياً على العنف، ولا تمنع ظهور جماعات تختار التخريب والنهب والحرق وسيلة للتعبير أو تستغل الاحتجاجات لتحقيق أهداف أخرى. وربما كان الأدق القول إن الديمقراطية لم تكن كافية للقضاء على العنف في التعبير عن المطالب السياسية، وليس لأنها فشلت في توفير وسائل سلمية للتعبير عنها.

هوية المشاركين في أعمال العنف ودوافعهم، تحتاج إلى دراسة جادة قبل استخلاص النتائج. لكن قد تكون بعض الأحياء الشعبية مصدراً محتملاً لشباب شاركوا في التخريب والنهب. صحيح أن ذلك يظل احتمالاً يحتاج إلى أدلة، لا حقيقة يجوز تعميمها على سكان تلك الأحياء أو ربطها بأصولهم. لكن لا ينبغي أن ننسى أن بعض الفرنسيين من أصول مهاجرة أظهروا، في مناسبات سابقة، تأييداً أو تعاطفاً مع هجمات إرهابية لتنظيم داعش في باريس ومدن أخرى؛ وهي ظاهرة تستحق الفهم والتحليل، من دون تحويلها إلى اتهام جماعي للمهاجرين.

أنا على يقين بأن فرنسا ستتجاوز هذه الأحداث، وأن مؤسساتها ستستعيد قدرتها على فرض القانون، وأن مرتكبي السلوكيات الهمجية سيحاسبون. فالدول التي تمتلك مؤسسات راسخة واقتصادات متينة لا تنهار بسهولة، حتى حين تتعرض لاختبارات قاسية. قد تواجه أزمات عميقة نعم، لكنها تمتلك أدوات المعالجة والتعافي وإعادة البناء.

يا معشر المتشفين، أذكركم فقط بأنه حين انتفضت مجتمعات عربية في وجه أنظمتها السلطوية، لم تتحول الانتفاضات إلى انتقال مستقر نحو الديمقراطية، بل انهارت دول، وتفككت مؤسسات، وانزلقت مجتمعات إلى حروب أهلية وصراعات مدمرة. 

ثمة مشكلات حقيقية تواجه شباب العالم كله: غموض المستقبل، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة فرص العمل، والقلق الذي تثيره التكنولوجيا، فضلاً عن الحروب وتداعياتها. ومن حق الشباب أن يحتجوا سلمياً، وأن يطالبوا بتغيير السياسات التي تثقل حياتهم. لكن لا شيء يبرر إحراق المباني ونهب المتاجر والاعتداء على الناس.

لا تتعجلوا، أيها الشباب، في التشفي بانهيار فرنسا وأوروبا. فالمجتمعات التي بنت مؤسساتها عبر قرون قادرة على التعافي من كبواتها، بينما قد تتحول الاحتجاجات في مجتمعات هشّة مؤسسياً إلى صراعات تهدد وجود الدولة نفسها.

تخيلوا، للحظة، ما الذي يمكن أن يحدث في مجتمعات لا تستوعب الاحتجاج السلمي، وتضيق بالاختلاف، وتسيطر عليها النزعات الإقصائية والعنصرية، حين تنفجر فيها احتجاجات واسعة، وتواجهها سلطات لا تؤمن بحق الناس في الاعتراض، ولا تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الصراع سلمياً.
فإذا كنتم تتشفون اليوم بما يحدث في فرنسا، فاسألوا أنفسكم أولاً: ماذا سيحدث في مجتمعاتكم لو اندلعت فيها احتجاجات مماثلة؟ 

ربيعكم، أيها المتشفون، ليس ببعيد. فهل نذكّركم بربيعكم العربي، وبما انتهى إليه في بلدان كثيرة؟
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions