اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

راكان السعايدة يكتب: الأردن.. دولة ما قبل الأزمة لا بعدها

راكان السعايدة يكتب: الأردن.. دولة ما قبل الأزمة لا بعدها
نبأ الأردن -
ثمة أسئلة لا تُطرح، وربما لا يُفكَّر بها أصلاً، في الظروف الطبيعية، لكن طرحها في الأحوال الصعبة يصبح ملحاً، لا لذاتها، وإنما لكونها مفتاحاً يساعد على فهم تطورات الواقع وكيفية الاشتباك معه.
وسؤال: أي دولة يحتاج الأردن في المرحلة المقبلة؟ من بين أهم هذه الأسئلة وأكثرها تعقيداً وحساسية؛ لأنه يبحث عن إجابة عما إذا كان الأردن يكتفي بإدارة الأزمات حين تصل إليه، أم يؤثر في مساراتها قبل أن تفرض نفسها عليه؟
هذا ليس سؤالاً ترفياً، بل ممر إجباري لفهمٍ أعمق وأدق لاتجاهاتنا وسط أزمات الإقليم ومتغيراته، وأثرها في الأمن القومي الأردني، وكيف ندير هامش تدخلنا فيها.
والأساس أن نعرف، ومن ثم نحدد، إذا كنا نريد الانتقال من متلقٍ لنتائج متغيرات الإقليم إلى لاعب قادر على التأثير في مساراته؛ لأن ضرورات أمننا القومي لا يمكن أن تتحقق من موقع المتفرج، وإنما من موقع الفاعل.
والفاعل عليه أن يأخذ عامل الزمن في الاعتبار؛ لأن المتغيرات في الضفة الغربية والقدس وغزة، وجنوبي سوريا ولبنان، وفي البحر الأحمر، ومضيقي هرمز وباب المندب، وحربي أميركا وإيران، والسعودية والحوثيين، متسارعة وملأى بالمخاطر، وأحياناً تأتي المتغيرات على شكل صدمة مفاجئة، ما يعني أن الفاعل يحتاج، دائماً، أن يكون يقظاً ومتحفزاً لتفعيل أدوات تدخله لحماية أمنه ومصالحه ودوره.
هذا يتطلب أن نسأل سؤالاً جريئاً، لكنه ضروري: هل الدولة بواقعها الحالي قادرة على التدخل والتأثير في متغيرات الإقليم؟
والمقصود هنا، ليس قدرة الدولة على البقاء وإدارة شؤونها، وإنما قدرتها على إنتاج الفعالية السياسية التي تمكنها من حماية نفسها في منطقة شديدة التعقيد؛ تتغير قواعدها باستمرار، وتتبدل فيها أوزان الدول وأدوارها.
بهذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي يكون في قدرة الدولة على أن تتحول من وضعية الاستجابة للمتغيرات إلى محاولة التأثير في جوهرها ومساراتها وتداعياتها.
وهو ما يجعل النظر في واقع مؤسساتها إجبارياً لا اختيارياً، إذا ما رغبت في معالجة الفجوات غير القابلة للتجاهل: برلمان بعيد عن المستوى الذي يعين الدولة على الاشتباك مع المتغيرات، وحكومة مكتفية بالإدارة اليومية، فيما الأحزاب والنقابات تبدو بلا قدرات مؤثرة تسند الدولة في لحظات التحول والأزمات.
النتيجة أن الدولة تواجه المتغيرات الكبرى بجبهة داخلية ما تزال تحتاج إلى المزيد من العمل، لا لأن الناس غائبون، بل لأن الجسور بينهم وبين السلطة ليست بالمتانة الكافية.
تلك المؤسسات تُعدّ المراكز الرئيسية في بنية الدولة وهياكلها، ولا يجب أن تكون، أبداً، هشة أو هامشية؛ ففعاليتها مهمة، وتعطّلها مضرّ، لأنه يضعف إسهامها في تحصين الجبهة الداخلية كي تكون شبكة حماية للدولة أمام الأخطار.
والمعروف أن الجبهة الداخلية، في أي دولة، لا تُبنى من تلقاء نفسها، بل هي النتاج الطبيعي لسياسات وقرارات وإجراءات تُراكم الثقة، وتجعل لدى الناس ما يخشون خسارته، أي أن يلمس الناس عناية المؤسسات بشؤون حياتهم، عملياً لا نظرياً، وأن يروا الدولة متمكنة وقادرة على إدارة الأزمات واتخاذ القرارات المناسبة في وقتها.
أن نصل إلى هذا النموذج، في ظني، ليس صعباً، فهو يعتمد على نوعية مسؤولين من أصحاب القدرة على اتخاذ القرار، لكنه، بالتأكيد، لا ينتهي عندهم؛ إذ يتعلق الأمر، أيضاً، بالمنظومة التي تختارهم، وبقدرة المؤسسات على توفير المعرفة والخيارات التي تمكنهم من اتخاذ القرارات الصحيحة في الأوقات المناسبة.
ففي الأزمات، كبرت أم صغرت، أسوأ ما يمكن أن تواجهه الدولة أن يتعامل المسؤولون مع مسؤولياتهم بطرق وأساليب تقليدية، وبمعالجات تسكينية وسطحية، في وقت تكون فيه الدولة أكثر حاجة لمسؤولين بمقدورهم الاشتباك مع الأزمات، واتخاذ قرارات صعبة يتحملون كلفتها بشجاعة. فالمسؤول في الأزمات لا يُقاس بقدرته على تنفيذ التعليمات، بل بقدرته على إنتاج القرارات من خارج هذه التعليمات.
هذا شرط أساسي، إذا ما أردنا بناء منظومة عمل يمكنها أن تؤثر في متغيرات الإقليم، لا مجرد متلقٍّ لها ومدير لتداعياتها، فالدولة التي لا تنتج التقييمات وتصدر القرارات في وقتها، قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع قرارات ينتجها الآخرون، وفي الغالب، لا تلبي مصالحها، أو تستجيب لمخاوفها.
فقرارات الدول الاستراتيجية تبدأ قبل اتخاذها؛ بالمعرفة الدقيقة لمصالحها، وامتلاكها المعلومات، وتحليلها بعمق، وقراءة الاتجاهات بدقة، وبناء البدائل، ثم اختيار ما يخدم المصلحة الوطنية وتنفيذه.
أي، أن لا نكتفي بمعرفة ما يحدث، بل أن نعرف لماذا يحدث، وبأي اتجاه يسير، وما الذي بمقدورنا فعله حياله، وما الذي يمكننا منعه، وما الذي نستطيع التأثير فيه، وما الذي يتعين علينا التكيف معه.
ربما يستدعي هذا أن يكون لدى الدولة مركز تفكير مستقل ليدعم صناعة القرار؛ يبدأ بجمع المعلومات وتحليلها، وتقدير الاتجاهات، وبناء السيناريوهات والبدائل، ويختبر كل ذلك ويفحصه قبل أن يقدم خياراته وتوصياته لصاحب القرار. ومن المهم هنا أن نتحسب لكل الاحتمالات بسؤال مسبق: ماذا لو أخطأنا في التقدير؟ ماذا لو تغيرت المعطيات؟ وما البدائل؟
هذه مسألة لها أهميتها في أن نفهم، وبشكل أوسع، معنى "الأمن القومي"، الذي لم يعد يعني حدوداً محمية وجيشاً وأجهزة أمنية فقط، وإنما أصبح يعني أيضاً إمكان حماية المصالح السياسية والاقتصادية، وأمن المعلومات، وتأمين الموارد والممرات، وأمن واستقرار الداخل، ومنع فرض وقائع تتناقض مع المصالح الاستراتيجية. فالوقائع التي تُفرض عليك لا تُلغى لاحقاً، وإنما تدار بأكلاف كبيرة.
ببساطة، قوة الدولة، أي دولة، تتركز أساساً في أن تكون قادرة على تحويل تقييماتها ومعرفتها إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى تأثير، والتأثير إلى نتيجة تخدم مصالحها.
ولا يعني ذلك أن تكون الدولة صدامية -إلا إذا اقتضت الضرورة- فالمطلوب فقط أن تكون أكثر قدرة على المناورة؛ أن تعرف متى تتحرك، ومتى تفاوض، ومتى تتحالف، ومتى ترفض، ومتى تنتظر، ومتى توظف وتستخدم ما لديها من أوراق.
الأردن الذي يفكر استراتيجياً يتصرف مسبقاً، قبل أن تفرض عليه الوقائع، فهو بسبب موقعه، وطبيعة حدوده، وتشابك مصالحه مع محيطه، لا يملك ترف انتظار اكتمال الوقائع من حوله، بل يجب أن يبادر؛ فما يحدث لا ينتظر إذنه، ولا يستأذن حدوده، وبعض تحولات الإقليم تنتقل آثارها إليه مباشرة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
في النهاية، ليس مهماً أن تكون الدولة أكبر، وإنما أن تكون أكثر قدرة على إنتاج التقييمات الدقيقة والقرارات السليمة؛ دولة تعرف مصالحها، وتقرأ محيطها، وتبني خياراتها، وتتحرك في التوقيت المناسب.. لأن السؤال هنا لم يعد: كيف نحمي الأردن مما يحدث حوله؟ بل: كيف نجعل كل الفاعلين يحسبون لمخاوفه ومصالحه حساباً..؟
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions