د. وليد العريض يكتب: حين افتتحت الغابة وزارةً لشؤون الأجداد
نبأ الأردن -
في الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء لم تكن المشكلة أن الثعلب سرق كيس القمح، ولا أن الضبع ابتلع نصف مخزن الشعير، ولا أن بعض القرود اقتسمت الموز المخصص لفقراء الغابة، فهذه عند مجلس الحكماء تفاصيل صغيرة يمكن تأجيلها إلى الاجتماع القادم، أما القضية التي هزت أركان الغابة واستدعت اجتماعًا طارئًا فهي معرفة المكان الذي جاء منه جد السارق قبل مئة عام.
عندما ضبط الحراس الثعلب خارجًا من المخزن والكيس على ظهره توقع أن يسألوه لماذا سرقت ومن ساعدك وأين ستذهب بالقمح، لكن كبير المحققين أخرج دفترًا أصفر أكلت أطرافه الأرضة وفتح صفحة الأجداد، ثم سأله بوقار من أين جاء جد جدك وهل كان يسكن هذه الضفة من النهر أم الضفة الأخرى، وهنا أدرك الثعلب أن كيس القمح أصبح أقل أهمية من قبر جده.
وما إن ثبت أن الجد البعيد جاء من وراء النهر حتى قفز الضبع فوق الطاولة وأعلن اكتشاف مؤامرة تاريخية تستهدف هوية الغابة، وصفقت القرود بحرارة وبدأت الببغاوات تكرر الخبر من شجرة إلى أخرى حتى صار كل من جاء أحد أجداده من الضفة الأخرى متهمًا محتملًا، أما القمح المسروق فبقي في زاوية المحكمة ينتظر أن يتذكر أحد أن القضية بدأت به.
رفع حمار عجوز يده وقال إن ابن عم الضبع سرق الأسبوع الماضي نصف مخزن الشعير وإن ابن خالته استولى قبل شهر على مرعى لا يملكه، فغضب الضبع واتهم الحمار بخلط الأوراق وقال إن أقاربه حالات فردية لا تمثل إلا نفسها، أما الثعلب فهو ظاهرة تاريخية تمثل كل من عبر النهر منذ أن تعلمت الحيوانات السباحة.
أعجب مجلس الحكماء بهذه النظرية فأصدر قرارًا بإنشاء وزارة لشؤون الأجداد والأصول والفروع والبطون، وأصبحت الوزارة تفتش في أصل كل حيوان قبل النظر في عمله فإذا سرق بحثوا عن جده وإذا نجح بحثوا عن جدته، وإذا فتح مصنعًا وشغّل مئات الحيوانات شكلوا لجنة لمعرفة هل جاء جده إلى الغابة قبل شجرة السنديان أم بعدها.
وسرعان ما انتقلت العدوى إلى الرياضة فأصبح هذا الفريق أصيلًا وذاك وافدًا وهذا الهدف وطنيًا وذاك مشبوهًا، فإذا سجل أرنب جاء جده من وراء النهر هدفًا اجتمع المحللون للبحث عن الأهداف الخفية وراء الهدف، وإذا أضاع أرنب أصيل ركلة جزاء قالوا إن الوطنية لا تقاس بالأهداف وإن جده الخامس كان يرعى قرب النهر قبل اختراع الكرة.
ثم دخل التجار والمصانع والأسواق في الحكاية فأصبح نجاح التاجر القادم جده من الضفة الأخرى مشروعًا سريًا للسيطرة على اقتصاد الغابة، بينما أصبح فشل التاجر الأصيل تضحية وطنية تستحق الاحترام، ولم يعد أحد يسأل من يدفع الضرائب ومن يشغّل الحيوانات ومن يسرقها بل أصبح السؤال من أي حفرة خرج جدك وأين كانت جدتك تجمع الحطب.
وقف البوم العجوز فوق شجرة وقال إن السارق يجب أن يحاسب لأنه سرق والفاسد لأنه أفسد والكاذب لأنه كذب، وإن الجريمة لا تنتقل بالدم ولا توجد غدة في جسم الحيوان اسمها غدة الخيانة ولا يحمل الفساد شهادة ميلاد، فصاح الضبع بأن البومة تهدد هوية الغابة وطالب بتشكيل لجنة عاجلة للتحقيق في أصلها قبل السماح لها بمواصلة الكلام.
وبينما كانت الحيوانات تتشاجر حول الضفاف والجدود والقبور كان اللصوص يعملون في هدوء يحسدون عليه، فاختفى مخزن القمح ثم مخزن الشعير ثم جزء من الغابة نفسها وبيعت أشجار واقتطعت مراعٍ وسرقت أموال، لكن أحدًا لم ينتبه لأن الجميع كانوا منشغلين بقياس المسافة بين قبور أجدادهم والنهر لإثبات من وصل أولًا.
حتى العائلات دخلت سباق الأصالة فأخذ كل حيوان يبحث عن جد عظيم يعلقه على جدار بيته، ومن لم يجد اخترع واحدًا ومن عثر على جد جاء من مكان لا يعجبه أخفاه تحت السجادة، وصار بعضهم مستعدًا لأن ينسب نفسه إلى أسد عاش قبل ألف سنة ولا يعرف عنه شيئًا على أن يعترف بأن جدته عبرت النهر ذات صباح بحثًا عن الأمن والخبز.
خرجت سلحفاة عجوز من بين الأشجار وقالت إن الشجرة لا تسأل أغصانها من أي جذر شربت لأن الفأس حين يهوي على الجذع لا يفرق بين غصن قديم وآخر جديد، وإن السفينة إذا ثُقبت فلن يسأل الماء الركاب عن أجدادهم قبل أن يغرقهم، ثم قالت احتفظوا بأنسابكم في بيوتكم واحكوا لأبنائكم عن أجدادكم كما تشاؤون لكن اتركوا للغابة قانونًا واحدًا وميزانًا واحدًا.
وأضافت السلحفاة أن من يسرق يُحاسب لأنه سرق ومن يخون يُحاسب لأنه خان ومن يخدم الغابة يُحترم لأنه خدمها، ولا ينبغي أن تتحول جريمة حيوان إلى لائحة اتهام ضد قطيع كامل ولا أن يصبح صلاح الجد حصانة للحفيد، فالأوطان لا تبنى على أسماء الموتى وإنما على أفعال الأحياء.
سخر الضبع منها وقال إنها تريد محو تاريخ الغابة بينما اقترحت القرود تشكيل لجنة لدراسة كلامها مدة عشر سنوات، أما البومة فضحكت وقالت إن السلحفاة استطاعت في دقائق أن تقول ما عجز مجلس الحكماء عن قوله في خمسين عامًا، وعندها بدأ بعض الحيوانات يفهم أن أخطر ما يهدد الغابة ليس اختلاف الأصول وإنما الذين يتاجرون بهذا الاختلاف.
وفي صباح اليوم التالي صدر قرار تاريخي بإلغاء وزارة شؤون الأجداد وتحويل مبناها إلى هيئة لمكافحة العصبية والفتنة، وفرحت الحيوانات وظنت أن زمن الجنون انتهى وأن العقل عاد أخيرًا إلى الغابة، لكن المفاجأة كانت أن أول من وصل إلى باب الهيئة يحمل ملفًا ضخمًا لطلب منصب رئيسها كان الضبع نفسه وقد كتب في سيرته الذاتية أنه خبير في شؤون الفتنة منذ ثلاثين عامًا.
وهكذا بقيت الغابة تغير أسماء مؤسساتها كلما اشتد المرض وتبدل اللافتات كلما فشل العلاج، وبقي بعض أهلها ينقبون في قبور الموتى بحثًا عن الوطن بينما كان آخرون يسرقون مستقبل الأحياء، وبقيت الحكمة الوحيدة محفورة على جذع أقدم شجرة تقول إن الغابة لا يحميها من كان جده أول من سكنها وإنما من يكون آخر من يتركها حين يأتي الخطر.
أما النهر فظل يجري بين الضفتين غير عابئ بكل ذلك الجنون ولم يطلب يومًا من سمكة شهادة ميلاد أو من طائر دفتر عائلة، وبقيت الأشجار تتشابك جذورها تحت التراب دون أن تسأل أيها أقدم وأيها أحق بالماء، وحده بعض سكان الغابة ظلوا يتخاصمون فوق الأرض على أمجاد الأجداد بينما كان مستقبل الأحفاد ينتظر منهم قليلًا من العقل.
وفي آخر الليل كتبت البومة تحت العبارة القديمة جملة أخرى ونامت، فلما استيقظت الحيوانات وجدتها تقول إن النار حين تشتعل في الغابة لا تسأل الأشجار عن أنسابها قبل أن تحرقها، وإن الماء حين يدخل السفينة لا يسأل الركاب من أي ضفة جاء أجدادهم قبل أن يغرق الجميع.
























