راكان السعايدة يكتب: الأردن لـ"إسرائيل": لا خيارَ ولا بديلَ
نبأ الأردن -
ليس حجراً صغيراً، بل حجراً كبيراً جداً، ذلك الذي ألقاه أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، على الساسة في عمّان باقتراحه أن يتولى الأردن المسؤولية الأمنية والإدارية في الضفة الغربية في المنطقتين (ألف وباء).
ولم يتوقف عند تولي الأردن الضفة الغربية، أمنياً وإدارياً، وإمكان دخول الجيش إليها، بل تحدث أيضاً عن سلخ المنطقة (ج)، وقوامها 60% من مساحة الضفة، والإبقاء عليها تحت سيطرة "إسرائيل"، أولاً، وحديثه عن كونفدرالية "إسرائيلية أردنية"، ثانياً.
يقول ليبرمان للقناة السابعة: "لا يمكن أن يكون هناك فراغ، ويجب التوصل إلى تفاهم مع الأردنيين، لكي يديروا "يهودا والسامرة"، وأن يتولوا المسؤولية الأمنية والإدارية".
هذا التصور لا يخرج عن الخط السياسي والإجرائي الذي يُنفذ في الضفة الغربية منذ سنوات، وتسارع خلال السنوات الثلاث الأخيرة، باتجاه ضم الضفة أو أجزاء واسعة منها، وتهجير أهلها.
وهو لا يغادر مربع تفكير "إسرائيلي" تاريخي بالبحث عن حل للقضية الفلسطينية على حساب الأردن، لكن أن تأتي، في هذا التوقيت، شخصية سياسية بوزن ليبرمان، وتتحدث علناً عن دور أردني في الضفة الغربية، فالأمر لا يجب أن يمر عليه الأردن مروراً عابراً.
ليبرمان قد يكون مفصلاً رئيسياً ومؤثراً في أي حكومة يحتمل أن يشكلها متصدر المعارضة غادي آيزنكوت، منافس بنيامين نتانياهو في انتخابات الكنيست. المعنى أن ليبرمان ليس شخصاً هامشياً في الحياة السياسية "الإسرائيلية"، بل هو أحد أبرز رموز المعارضة، إلى جانب يائير لبيد ونفتالي بينيت ويائير غولاني.
ماذا تعني تصورات ليبرمان..؟
أولاً، صيغة ليبرمان الخطرة قد يكون لدى اليمين، بزعامة نتنياهو، ما هو أشد منها خطورة. والصيغتان، في كل الأحوال، لهما معنى واحد: أن إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس لم تعد خياراً "إسرائيلياً" أبداً.
ثانياً، صيغة ليبرمان تستعيد ما عُرف تاريخياً بروابط القرى، لكن بصورة أوسع، أي تجميع الفلسطينيين الذين لم يُهجّروا في مدن محددة، إما معزولة عن بعضها بعضاً، وإما ربطها بشبكة طرق مسيطر عليها "إسرائيلياً".
ثالثاً، الصيغة تصادر أراضي المنطقة (ج)، التي تشكل مساحتها 60% من أراضي الضفة الغربية، التي تعادل فقط 22% من أراضي فلسطين التاريخية.
رابعاً، الشؤون الإدارية والأمنية في المدن الفلسطينية ستكون بيد الأردن، وعليه أن يتولى كل ما يخص تلك المدن، ويدبر كل شؤون أهلها.
خامساً، مفهوم الكونفدرالية الذي طرحه ليبرمان، ولم يعرض تفاصيله، لا يمكن أن تدعو إليه "إسرائيل" إلا في سياق سعيها للهيمنة الشاملة، خصوصاً في بعدها الاقتصادي، وللتدخل في شؤون المدن الفلسطينية.
إن صيغة ليبرمان، وأي صيغة تطرحها "إسرائيل"، ستُرفض أردنياً وفلسطينياً، وتُعدّها عمّان تجاوزاً لخطوطها الحمر، أجاءت تحت عنوان "الخيار الأردني" لتولي إدارة شؤون الضفة، أو تحت عنوان "الوطن البديل"، الذي معناه تهجير الفلسطينيين ليقيموا دولتهم في الأردن.
الأردن يفهم جيداً معنى أن يتولى إدارة الضفة الغربية، وبخاصة في البعد الأمني، فهو ليس سوى فخ، لوضع الجيش والأجهزة الأمنية الأردنية في مواجهة الفلسطينيين ومقاومتهم وجعل الأردن شرطياً حارساً لـ"إسرائيل"، وقوة عازلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
خطورة هذا التصور في أنه ينقل العبء الأمني، بكل محاذيره، من "إسرائيل" إلى الأردن. ولهذا الفخ بالتأكيد أكلاف كبيرة تتجاوز البعد الأمني إلى السياسي والاجتماعي، هنا وهناك.
ما العمل...؟
لقد رسم جلالة الملك في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي غير مناسبة سابقة، الخطوط الحمر التي يُمنع على "إسرائيل" تجاوزها مع الأردن بشأن القضية الفلسطينية؛ لا للتهجير، ولا للوطن البديل، ولا لأي صيغة لا تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية.
تحت هذا السقف العالي في الموقف، لن يتردد الأردن في القول لـ"إسرائيل" إن دفع الفلسطينيين للهجرة قسراً من بلدهم إلى الأردن هو بمثابة إعلان حرب يستدعي الدفاع عن الأمن القومي الأردني، وللدفاع عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم.
الأردن ليس بلا خيارات؛ لديه منها الكثير: صمود الفلسطينيين في أرضهم، والرفض المشترك للضم والتهجير، والتمسك بالحقوق، وجيش ومؤسسات أمنية على استعداد للتضحية.
نعم؛ "إسرائيل" اليمينية المتطرفة قد لا تتوانى عن تنفيذ مشروعها ومخططاتها في فلسطين على حساب الأردن، لكن، أبداً، لن يكون طريقها مفتوحاً وميسراً، فالأردن، كما نراه، لن يكون في أي يوم خياراً ولا بديلاً.
























