اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عاطف أبوحجر يكتب: مقصف زمان

عاطف أبوحجر يكتب: مقصف زمان
نبأ الأردن -
هناك أماكن صغيرة نمرّ بها في طفولتنا، لكنها تكبر معنا وتبقى عالقة في الذاكرة. ومن أجمل تلك الأماكن «مقصف المدرسة»، حيث كانت سندويشة الفلافل وجبة فاخرة، والبيبسي مكافأة عظيمة، وجرس الفرصة إشارة للانطلاق في سباق لا يعرف الرحمة.

إذا أردت أن تعرف معنى المنافسة الحقيقية، فلا تسأل أصحاب البطولات، بل اسأل طالبًا قديمًا عن جرس الفرصة ومقصف المدرسة! فما إن يرنّ الجرس حتى يتحول الطلاب إلى عدّائين محترفين، والهدف واضح: سندويشة فلافل، زجاجة بيبسي، وربما مكان متقدم في الطابور.

كان الركض فنًّا بحد ذاته. كل طالب يحاول أن يسبق الآخر، بينما أصوات الأحذية على الأرض تبدو كأنها طبول تشويقية لموسيقى مغامرة. وكانت سندويشات الفلافل تُباع مع زجاجة البيبسي أو الميرندا أو السف آب، فتشعر وكأنك تحتسي عصير الحياة مباشرة من المنبع.

في مقصف المدرسة، كنا نتجمع بعشوائية من شدة الجوع، ونصطف أحيانًا في طابور إذا كان أحد المدرسين موجودًا أو يقف بالقرب من طاولة البيع. وكانت عيوننا تراقب حركة المقصف وكأننا في مباراة شطرنج؛ كل خطوة محسوبة، وكل سندويشة ثمينة.

كان سعر سندويشة الفلافل مع زجاجة البيبسي خمسة قروش فقط، لكن طعمها كان أغلى من كل ذهب العالم. ولا يمكن أن تُنسى جودة السلطة: بندورة حمراء غامضة، وخيار تفوح رائحته من بعيد، ورشة ملح كأنها توقيع الشيف الشخصي على كل سندويشة.

أما سندويشة المرتديلا مع زجاجة الميرندا... يا لها من إبداع! كان طعمها أسطوريًا؛ تشعر وكأنك تأكل من لحم عجل ذُبح اليوم خصيصًا لك. نكهة تمزج بين البراءة والجنون، وبين الفرح والدهشة. كنت تغمض عينيك عند شفة شراب الميرندا وتعتقد أنك في مطعم خمس نجوم، لا في مقصف مدرسة بالكاد يتسع لثلاثة صفوف من الطلاب.

لكن الفرحة الكبرى لم تكن في السندويشات وحدها، بل كانت في نهاية العام الدراسي، عند توزيع أرباح المقصف المدرسي.

لا أستطيع أن أنسى تلك اللحظة التي حصلت فيها، لأول مرة، على أكبر مبلغ مالي في حياتي: ثلاثة دنانير وفراطة!

صدقوني، تلك الليلة لم أنم. بقيت أعدّ وأصفّ البرايز والشلون والرباع والقرطات، وكل قطعة نقدية يمكن أن يُشترى بها شيء من المال المذهل الذي أصبح بين يديّ. كان شعورًا بالثراء والسيطرة على العالم لا يُقارن بأي شيء آخر، حتى بسندويشة الفلافل الساخنة بعد الحصة الثالثة!

مقصف المدرسة زمان لم يكن مجرد مكان لبيع الطعام، بل كان مسرحًا صغيرًا للحياة؛ فيه المنافسة والانتظار والضحك والجوع والفرح. كان مدرسة أخرى تعلّمنا الصبر والمنافسة ومتعة الأشياء البسيطة، وكل ذلك بنكهة بندورة حمراء وخيار تفوح رائحته من بعيد.

ربما تغيّرت المقاصف، وتغيّرت الأسعار، ولم تعد سندويشة الفلافل بخمسة قروش، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: تلك الذكريات ما زالت حية فينا، بما فيها من ضحك وركض وطوابير وسندويشات لا تُنسى.

فمقصف المدرسة لم يكن يومًا مجرد مقصف... كان جزءًا من طفولتنا، وجزءًا من حكاياتنا التي كلما تذكّرناها، ابتسمنا.

وتبقى ذكريات «مقصف زمان» أغلى من كل سندويشات اليوم.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions