وائل منسي يكتب: محمود الهويمل.. حين يرفع المنصبُ صاحبه ولا يرفعه صاحبه بالمنصب
نبأ الأردن -
سلسلة التيار الديمقراطي لرجال من الأردن.. الحلقة الثالثة
مرة أخرى، نعود إلى رجالٍ من الأردن الذين لم تغيّرهم المناصب، بل كشفت معادنهم.
المرحوم معالي الأستاذ محمود الهويمل؛ عاش قليل الحال، ومات غنيَّ السيرة والمنال. عاش بين أهله في الأغوار، ورحل بينهم، وبقيت مآثره الطيبة تتناقلها الأجيال.
تُروى عنه قصة واقعية، سمعتها من شيخٍ جليل كان قريبًا منه، تختصر الكثير من شخصيته.
في عام 1989، حين كان نائبًا، لم تكن له سيارة، كان يمشي على قدميه إلى موقف الباص، يستقل حافلة من الأغوار الجنوبية إلى الكرك، ومنها إلى عمّان، ثم يركب السرفيس من مجمع الجنوب إلى مجلس الأمة، وإذا امتد به الوقت إلى الليل، كان يبيت في فندق المعمورة القريب من المجمع.
تحدثت الصحف آنذاك عن مفارقة لافتة: نائب في مجلس الأمة لا يملك سيارة، ويتنقل بالحافلات بين الأغوار وعمّان.
وصلت الحكاية إلى الملك الحسين، رحمه الله، فاستُدعي الهويمل إلى القصر.
ارتبك الرجل؛ لم يكن يملك حتى ثوبًا يراه لائقًا بمقابلة الملك. قال لصديق كان يجلس معه: كيف سأقابل جلالة الملك وثيابي لا تليق بالمقابلة؟ فأعطاه صديقه سترته، وكانت على مقاسه.
دخل الهويمل على الملك، وكان حوله عدد من المستشارين ورئيس الديوان. استقبله الملك بحفاوة، ثم قال له، مشيرًا إلى رئيس الديوان الذي كان يحمل دفترًا وقلمًا:
«ما هي طلباتك؟»
فقال الهويمل:
«لي طلبان، لا ثالث لهما.»
قال الملك: «اطلب تُعطَ.»
فأجاب:
«الأول: الأردن أمانة في عنقك يا جلالة الملك.
والثاني: #الأغوار #الجنوبية وأهلها أمانة أخرى في عنقك.»
ثم قال له الملك: «اطلب لنفسك ما تريد.»
فأجاب:
«لا أريد شيئًا لنفسي، سوى ما طلبت يا مولاي.»
تقول الرواية إن الملك تأثر حتى أدمعت عيناه، ثم وقف واحتضن النائب محمود الهويمل.
وبعد سنوات، وفي حكومة عبد الكريم الكباريتي، أُسندت إليه حقيبة وزارية؛ تقديرًا لسيرته ومكانته وأخلاقه.
لكن الوزارة لم تغيّره.
بقي ابن الأغوار، قريبًا من أهلها، بعيدًا عن استغلال المنصب، ولم يجعل السلطة سلّمًا للثراء أو الاستعلاء.
عاش شريفًا، ومات شريفًا، وبقي اسمه في ذاكرة الناس.
ليست الحكاية عن نائب امتلك سيارة أو لم يمتلكها، ولا عن وزير أو حقيبة وزارية؛ إنها عن معنى أعمق:
أن تدخل المنصب وأنت أنت، وتخرج منه وأنت أنت؛ فلا يرفعك الكرسي، بل ترفع أنت قيمة الكرسي.
رحم الله محمود الهويمل، ورحم رجالًا من الأردن كانت المناصب عندهم مسؤولية، لا غنيمة.
فهل من مُعتبر؟

























