م مدحت الخطيب يكتب: حين يصبح اليُتم وجعًا لا يشيخ..
نبأ الأردن -
لم أكن أعرف معنى اليُتم كما أعرفه اليوم.
كنت أظن أن اليُتم كلمة تُقال عن طفل فقد أمه أو أباه، وأن الإنسان مع مرور الوقت يتعلم كيف يتعايش مع الفقد. لكنني اكتشفت أنني كنت مخطئًا.
عرفت اليُتم يوم رحلت أمي رحلت وأنا بعد الأربعين
ومنذ ذلك اليوم عرفت أن اليُتم ليس له عمر، وأنك مهما كبرت، ومهما اشتدت بك الحياة، ومهما ظننت أنك أصبحت قويًا وقادرًا على مواجهة الدنيا، تبقى أمام أمك طفلًا.
عندما رحلت أمي، شعرت أنني فقدت شيئًا لا يمكن أن يعود. فقدت الصوت الذي كان يطمئنني، والدعوة التي كانت ترافقني، والوجه الذي كنت أراه فأشعر أن الدنيا ما زالت بخير.
هناك من يتيم وهو طفل، وربما لا يدرك وقتها حجم ما فقد. أما أنا، فقد تيتمت وأنا أعرف تمامًا من فقدت، وأعرف قيمتها، وأعرف تفاصيل وجودها في حياتي، ولذلك كان الفقد مختلفًا... وربما كان الوجع أعمق
رحلت أمي، ورحلت معها أشياء كثيرة كانت تجعل للحياة طعمًا آخر.
كانت طيبة القلب، طيبة المعشر، بسيطة في حضورها، كبيرة في أثرها. لم تكن تحتاج إلى كثير من الكلام حتى تترك في القلب شيئًا لا يزول.
أشياء كانت تفعلها دون أن أنتبه، كلمات كانت تقولها وأمرّ عليها كأنها عادية، مواقف صغيرة كنت أظنها من تفاصيل الحياة... أصبحت اليوم ذكريات غالية لا أملك منها إلا أن أستعيدها في رأسي وأشتاق.
هكذا نعرف قيمة من نحب أحيانًا بعد أن يغيبوا.
كانت أمي موجودة في تفاصيل يومي، حتى دون أن أشعر. واليوم، أفتقدها في أبسط الأشياء.
أفتقد أن أسأل عنها...
أفتقد صوتها...
أفتقد دعاءها...
أفتقد أن يكون هناك شخص في هذه الدنيا يفرح لفرحي ويحزن لحزني بهذه الطريقة التي لا تشبهها طريقة أخرى
رحلت أمي، لكن حضورها لم يرحل
ما زالت في دعائي، وفي ذاكرتي، وفي البيت، وفي أشياء كثيرة حولي، وفي بعض كلماتي وطباعي التي أكتشف أنها كانت منها دون أن أشعر
وكلما ضاقت بي الدنيا، أشتاق إلى ذلك الشعور القديم... شعور أن هناك أمًا في هذا العالم يمكن أن أعود إليها مهما كبرت
أحيانًا أتمنى لو يمنحني الله دقيقة واحدة فقط
دقيقة أسمع فيها صوتها، وأرى وجهها، وأجلس بقربها، وأقول لها:
سامحيني إن قصّرت، وأحبك، وما زلت أحتاجك... رغم أنني كبرت.
رحم الله وجهًا كان أمانًا، وصوتًا كان طمأنينة، وقلبًا لم أعرف قيمته كاملة إلا بعد أن فقدته
اللهم إنها نزلت بك، وأنت خير منزلٍ به، فأكرم نُزلها، وأحسن مُدخلها، ووسّع مدخلها، وأنر قبرها، وآنس وحشتها، واغفر لها وارحمها
اللهم اجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، واجعل ما أصابها من تعب الدنيا رفعةً في درجاتها، واجمعني بها في مستقر رحمتك، حيث لا فراق ولا وجع ولا رحيل.
























