اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د.عبدالله محمد القضاه يكتب: عمّان.. حين يتحول الفكر الديني إلى قوة ناعمة

د.عبدالله محمد القضاه يكتب: عمّان.. حين يتحول الفكر الديني إلى قوة ناعمة
نبأ الأردن -
في زمن تتزاحم فيه الأزمات، وتتسع الفجوة بين الخطابين الديني والسياسي، تواجه الأمة الإسلامية أسئلة مصيرية تتصل بهويتها ومستقبلها ودورها في عالم سريع التحول. وفي خضم هذه الأسئلة، تواصل عمّان تقديم إجابة مختلفة: فمواجهة تحديات المستقبل لا تكون بالسلاح والسياسة وحدهما، بل بالفكر أيضًا، وبخطاب ديني قادر على مخاطبة الإنسان والعصر معًا.
من هنا تبرز أهمية المؤتمر التاسع عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، المنعقد في عمّان تحت عنوان "أولويات الأمة في الخمس والعشرين سنة القادمة 2026–2050 ". فهذا المؤتمر ليس لقاءً بروتوكوليًا أو فعالية علمية عابرة، بل تعبير عن رؤية أردنية تعتبر استشراف المستقبل مسؤولية فكرية وحضارية؛ فالأمة التي لا تفكر في غدها، تترك للآخرين مهمة رسمه نيابة عنها.
ويحمل تكريم نخبة من العلماء والمفكرين في قصر الحسينية، بأوسمة ملكية رفيعة، رسالة واضحة مفادها أن الأردن ينظر إلى العلم والاعتدال بوصفهما ركيزة من ركائز بناء الدولة والمجتمع، وأن احترام العلماء ليس شأنًا دينيًا فحسب، بل مكوّن من مكونات القوة المعنوية للدولة.
ويكتسب المؤتمر دلالة إضافية بمشاركة أكثر من سبعين عالمًا من ثلاثين دولة، يمثلون مدارس ومذاهب واتجاهات إسلامية متعددة. ففي زمن الاستقطاب، يصبح جمع المختلفين حول طاولة واحدة إنجازًا فكريًا وسياسيًا بحد ذاته. فالأردن لا يقدّم نفسه صاحب الحقيقة الوحيدة، ولا يسعى إلى فرض خطاب بعينه، بل يوفّر مساحة للحوار، انطلاقًا من الاعتدال والوسطية واحترام التنوع؛ وهي قيم باتت جزءًا أساسيًا من الأمن الفكري والسلم المجتمعي.
إن مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي تمثل إحدى أدوات القوة الناعمة الأردنية. فالدولة لا تقيس قوتها بقدراتها العسكرية وحدها، وإنما بقدرتها على التأثير في العقول، وبناء الجسور، وإنتاج الأفكار والمساهمة في تشكيل النقاش الدولي حول القضايا الكبرى.
ولعل السؤال الأهم الذي يطرحه المؤتمر هو: ماذا تريد الأمة في السنوات الخمس والعشرين المقبلة؟ الإجابة تبدأ ببناء عقل إسلامي قادر على فهم المستقبل، وبخطاب يؤمن بأن الدين ليس خصمًا للحداثة، وأن الاختلاف لا يبرر العنف أو الإقصاء، وأن الحوار والانفتاح طريقان لحماية الهوية وتجديدها.
تلك هي الرسالة الأعمق التي تخرج بها عمّان: إن الاعتدال والحوار ليسا شعارين، بل سياسة فكرية ودبلوماسية قادرة على تحويل الأردن، بما يملكه من رصيد تاريخي ومرجعية دينية، إلى جسر يصل بين العالم الإسلامي والعالم، ويجعل من الفكر الديني قوة ناعمة في خدمة الإنسان والسلام.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions