اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المعايعة يكتب: ماذا لو صنعنا جو حطّاب جديداً

المعايعة يكتب: ماذا لو صنعنا جو حطّاب جديداً
نبأ الأردن -
بقلم الدكتور: يزن ياسين المعايعة

ماذا يمكن أن يحدث عندما يقرر شاب أردني أن يحمل كاميرته، ويغادر المكان الذي يعرفه ليكتشف العالم؟

قد تكون الإجابة أمامنا اليوم في تجربة جو حطّاب.

لكن قصة جو لا تبدأ من ملايين المشاهدات، ولا من الشهرة ولا من السفر إلى عشرات البلدان, تبدأ من مكان أكثر بساطة من شاب أردني لديه شغف.

شغف بالسفر، وحب للتجربة، ورغبة في أن يرى العالم وأن ينقل ما يراه إلى الآخرين.

ومع الوقت تحولت الكاميرا من أداة توثق الرحلات إلى وسيلة لبناء قصة وتجربة وهوية وصلت إلى جمهور واسع في الأردن والعالم العربي وخارجه.

لهذا تبدو زيارة جو حطّاب إلى الأردن مختلفة, فهو لا يعود إلى بلد غريب عنه، وإنما يعود إلى بلده ولكن هذه المرة بعين اكتسبت خبرة واسعة في اكتشاف البلدان ورواية قصصها.

الأردن بعين من يعرفه.. وبعين من اكتشف العالم

هناك فرق بين أن يأتي شخص إلى الأردن للمرة الأولى ليكتشفه وبين أن يعود إليه شخص يعرفه جيداً لكنه أصبح يرى العالم بطريقة مختلفة.

جو يعرف الأردن, يعرف ناسه، ولهجته، وتفاصيله، وذاكرته, لكنه في الوقت نفسه أمضى سنوات وهو يتنقل بين دول وثقافات وتجارب مختلفة، ويرى كيف تقدم البلدان نفسها للعالم، وكيف تتحول الأماكن إلى تجارب، والتجارب إلى قصص، والقصص إلى دافع للسفر.

وهنا تكمن قيمة هذه الزيارة,أن ينظر شاب أردني إلى بلده بعد أن رأى العالم.
أن يسأل: ماذا لدينا؟ وكيف يمكن أن نروي قصتنا؟ وما الذي يمكن أن يجعل شخصاً في أقصى العالم يقول: أريد أن أزور الأردن؟

فالأردن لا يفتقر إلى ما يمكن أن يقدمه، لدينا البترا، ووادي رم، والبحر الميت، والعقبة، وجرش، وعجلون، والسلط، ومادبا، ولدينا القرى والجبال والصحراء، والمطبخ والتراث والحرف، وقبل ذلك كله الإنسان الأردني، لكن ما يحتاجه هذا كله هو أن تتحول هذه العناصر إلى حكايات تصل إلى الناس.

السائح في زمننا لم يعد ينتظر أن يرى إعلاناً في مجلة أو على شاشة التلفزيون كي يقرر أين سيذهب، قد تبدأ رحلته بمقطع قصير على هاتفه، يشاهد شخصاً يمشي في شارع، يجرب طعاماً، يتحدث مع الناس، ينام في مخيم، يكتشف موقعاً أثرياً أو يعيش مغامرة في الصحراء.

وفجأة يتحول المكان من اسم على الخريطة إلى تجربة يتخيل نفسه يعيشها، وهنا تأتي أهمية جو حطّاب فهو لا يقدم الأردن كصورة جامدة، بل يستطيع أن يقدمه كتجربة.

أن يجعل المتابع يرى المكان بعينيه، ويقترب من الناس، ويكتشف التفاصيل ويشعر بأن الأردن ليس مجرد وجهة سياحية، وإنما رحلة تستحق أن تُعاش.

وهذا هو التحول الذي تحتاجه السياحة الحديثة،الانتقال من الترويج للمكان إلى رواية قصة المكان.

جو حطّاب.. الرسالة الأهم للشباب

لكن ربما تكون الرسالة الأهم في هذه الزيارة خارج الإطار السياحي تماماً.

إنها رسالة إلى الشباب الأردني،لأن جو حطّاب ليس شخصية بعيدة عنهم، هو شاب أردني يشبههم،بدأ بشغف، وتعلم، وجرب، وفشل ونجح، وطوّر أدواته، واستمر.

لم يبدأ وهو يعرف إلى أين ستصل به الرحلة، وهذه بالضبط هي قيمة تجربته، فالشاب الأردني الذي ينظر اليوم إلى شاشة هاتفه ويرى جو حطّاب يصل إلى أماكن مختلفة من العالم، يمكنه أن يرى في هذه القصة شيئاً من نفسه.

قد لا تكون لديه كاميرا احترافية،وقد لا يعرف كيف يبدأ،وقد يظن أن أفكاره بسيطة أو أن الفرص بعيدة.

لكن تجربة جو تقول شيئاً مختلفاً،ابدأ بما لديك، طوّر موهبتك ووثق بأن الفكرة الصغيرة يمكن أن تكبر.

الأمر لا يتعلق بصناعة المحتوى وحدها،ففي عالم اليوم، أصبحت الصورة التي يقدمها أبناء البلد عن بلدهم جزءاً من قوته الناعمة،وهنا يمكن للشباب الأردني أن يلعبوا دوراً أكبر بكثير مما نتصور، صانع محتوى، ومصور، ومدون، ومخرج، ومرشد سياحي شاب، وشاب يوثق قريته أو مدينته، وشابة تحكي عن المطبخ الأردني أو التراث أو المغامرات.

كل هؤلاء يمكن أن يكونوا سفراء للأردن بطريقتهم،وليس المطلوب أن يكون الجميع نسخة من جو حطّاب.

على العكس،المطلوب أن تكون هناك أصوات أردنية متعددة، لكل منها زاويتها وقصتها وجمهورها.

فالأردن أكبر من أن تختصر قصته في شخص واحد، وأغنى من أن تختصر سياحته في عدد محدود من المواقع.

ماذا لو صنعنا المزيد من جو حطّاب؟

ربما السؤال الذي ينبغي أن تتركه هذه الزيارة خلفها ليس: كم شخصاً سيشاهد فيديو جو عن الأردن؟ بل ماذا لو كان بين شباب الأردن اليوم عشرات الشباب الذين يمكن أن يصبحوا جو حطّاب القادم؟

ماذا لو وجد شاب في قرية أردنية فرصة ليصور قصص المكان الذي يعيش فيه؟ ماذا لو حصل شاب آخر على التدريب ليصنع أفلاماً قصيرة عن المواقع السياحية؟

ماذا لو تحولت الجامعات إلى بيئة لاكتشاف المواهب في صناعة المحتوى السياحي؟وماذا لو أصبحت السياحة شريكاً حقيقياً للشباب، لا مجرد موضوع نتحدث معهم عنه؟

عندها لن تكون قصة جو حطّاب قصة نجاح فردية فقط،ستصبح نموذجاً يمكن أن يتكرر ،الأردن الذي عاد إليه جو ليس الأردن نفسه الذي غادره ربما أجمل ما في الحكاية أن جو حطّاب يعود اليوم إلى الأردن بعدما رأى العالم.

وهذا يجعل عودته فرصة لنرى نحن أيضاً بلدنا بطريقة مختلفة، فأحياناً نحتاج إلى شخص يعرف المكان جيداً، لكنه اكتسب مسافة كافية ليراه بعين جديدة.

أن يذكرنا بأن ما اعتدنا عليه يمكن أن يكون مدهشاً لشخص آخر، وأن الطريق الذي نمر به كل يوم قد يكون مغامرة بالنسبة لسائح يأتي من الطرف الآخر من العالم.

وأن طبقاً نراه عادياً يمكن أن يكون تجربة ثقافية،وأن حكاية جدّ أو أم أو حرفي أو مزارع يمكن أن تكون جزءاً من قصة سياحية كاملة.

ليست مجرد زيارة لهذا، فإن زيارة جو حطّاب إلى الأردن يمكن أن تكون أكثر من زيارة لصانع محتوى، إنها فرصة لإعادة طرح سؤال أكبر كيف نريد أن يرى العالم الأردن؟

والإجابة لا يجب أن تأتي دائماً من حملات إعلانية تقليدية، أحياناً تأتي من شاب أردني يعرف بلده، ويعرف العالم، ويعرف كيف يتحدث إلى جيل جديد.

جو حطّاب بدأ شاباً أردنياً لديه شغف، واليوم يستطيع أن يأخذ معه الأردن إلى جمهور واسع.
وهذه ربما تكون الرسالة الأجمل التي يمكن أن تصل إلى شبابنا، جو حطّاب ليس شاباً جاء من مكان بعيد ليحكي لنا عن النجاح.
جو حطّاب واحد منا. شاب أردني بدأ من هنا، ووصل إلى هناك، وفي بلد يمتلك كل هذا التاريخ والجمال والتنوع، ربما لا نحتاج فقط إلى المزيد من الأماكن التي نصورها، بل إلى المزيد من الشباب الذين يؤمنون بأن لديهم قصة تستحق أن تُروى.

فحين ينجح شاب أردني في أن يجعل العالم يشاهد الأردن بعينيه، فإن النجاح لا يعود نجاحاً شخصياً فقط،إنه، بطريقة ما، قصة أردنية وصلت إلى العالم.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions