وائل منسي يكتب: المعركة لم تنتهِ: حين يتحدث اليمن وباب المندب
نبأ الأردن -
ما جرى في الحرب الأخيرة لا يُقاس فقط بمن أصاب أكثر أو دمر أكثر، بل بما قد يتركه من إعادة تشكيل لموازين القوة والتحالفات وقواعد النظام الإقليمي. فالتفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، رغم ضخامته، لا يعني القدرة على التحكم الكامل بمآلات الصراع، خصوصاً عندما تتداخل الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد والمجتمع.
وهنا يأتي اليمن وباب المندب في قلب المعادلة.
فاليمن ليس ساحة سهلة للحسم العسكري؛ والتاريخ، من العثمانيين إلى البريطانيين والبرتغاليين، يقدم درساً واحداً: التدخل في اليمن أسهل من إخضاعه، والسيطرة العسكرية أصعب من تحقيق الاستقرار السياسي.
وتزداد أهمية ذلك لأن باب المندب ليس شأناً يمنياً فقط؛ فهو ممر بحري استراتيجي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأي اضطراب مستمر فيه يمكن أن يرفع كلفة النقل والتأمين ويؤثر في جزء مهم من حركة التجارة والطاقة العالمية.
وهنا تكمن المفارقة: المشكلة نفسها يمكن أن تتحول إلى فرصة. فبدلاً من التعامل مع باب المندب باعتباره جبهة عسكرية جديدة، يمكن تحويل أمنه إلى مدخل لتفاهم إقليمي أوسع: تهدئة في اليمن، ترتيبات لأمن الملاحة، تفاهمات سعودية–إيرانية، وحوار إقليمي يخفف مصادر التوتر المتشابكة.
فالحل اليمني ليس شأناً داخلياً فقط، كما أن أمن البحر الأحمر ليس ملفاً منفصلاً عن أزمات المنطقة.
وكلما عولجت الملفات منفردة، عادت الأزمات من بوابة أخرى؛ أما الربط بين اليمن، والبحر الأحمر، وأمن الخليج، وفلسطين فقد يفتح باباً لتسوية أوسع.
السعودية تحديداً تملك مصلحة استراتيجية في عدم تحويل اليمن إلى حرب استنزاف مفتوحة، وفي الوقت نفسه في حماية حدودها وأمن الطاقة والملاحة.
وقد يكون الحل السياسي اليمني الشامل، المدعوم بتفاهمات إقليمية، أقل كلفة وأكثر استدامة من محاولة الحسم بالقوة.
والسؤال الأهم استراتيجياً ليس فقط: من نفذ؟ بل: من يستفيد من استمرار التصعيد، ومن يستطيع تحويل لحظة الخطر إلى فرصة للتهدئة؟
إقليمياً، تبدو الصورة أوسع من اليمن وحده: الولايات المتحدة تواجه تعدد ملفات المنافسة، والصين وروسيا تستطيعان استثمار التحولات، والسعودية ودول عربية قد تتجه إلى تنويع شراكاتها، بينما تبقى فلسطين عاملاً مركزياً في أي استقرار مستدام.
فالمنطقة أمام خيارين: إدارة الأزمات بالحروب المتتابعة، أو استثمار لحظة الخطر لبناء تفاهمات إقليمية جديدة.
وقد يكون باب المندب، paradoxically، أحد الأبواب التي تقود إلى ذلك: إذا كان تعطيله يستطيع إرباك جزء مهم من التجارة الدولية، فإن تأمينه يمكن أن يصبح نقطة التقاء لمصالح متعارضة، ومدخلاً لخفض التوترات في اليمن والخليج والبحر الأحمر والمنطقة كلها.
فالمعركة لم تنتهِ، لكن ربما حان الوقت للانتقال من سؤال كيف ننتصر في الحرب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحول الحرب إلى فرصة لصناعة سلام إقليمي قابل للحياة؟
























