اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. عبدالله محمد القضاه يكتب: صفحات من تاريخ الأردن بنو حميدة... حين كانت العشيرة بوابة الدولة لا بديلاً عنها

د. عبدالله محمد القضاه يكتب: صفحات من تاريخ الأردن بنو حميدة... حين كانت العشيرة بوابة الدولة لا بديلاً عنها
نبأ الأردن -
لا يمكن قراءة تاريخ العشيرة الأردنية بوصفه نقيضاً لتاريخ الدولة؛ فالأردن لم ينشأ في فراغ اجتماعي، بل قامت دولته الحديثة على مجتمع متجذر كانت العشيرة إحدى ركائزه الأساسية. ومع تأسيس الدولة، انتقلت العشيرة تدريجياً من حماية الجماعة وإدارة الشأن المحلي إلى الإسهام في بناء المؤسسات والدفاع عنها.
ومن أبرز الصفحات التي تكشف هذا التحول قصة بني حميدة ومقاومتهم للإدارة العثمانية عام 1889. فقد جاءت المواجهة في سياق اتسم بتزايد الضرائب، وفرض التجنيد الإجباري، واتساع تدخل الإدارة المركزية في شؤون السكان. وتشير روايات تاريخية إلى أن المطالبة بضرائب متراكمة، قُدّرت بنحو مائتي ألف قرش، ورفض التجنيد، كانا من أبرز أسباب التصعيد، بعد أن حاولت السلطات فرض مطالبها بالقوة.
ولم تكن أحداث 1889 منفصلة عن تراكم سابق؛ إذ سبقتها مواجهات مع الحاميات العثمانية، من بينها موقعة صباح الهروط عام 1887، ثم وقائع الذهيبة والثمد. وفي الذاكرة الشعبية ارتبط فرسان بني حميدة بلقب "ذبّاحة الدول"، في إشارة إلى مهاجمتهم المراكز والمخافر العثمانية.
غير أن قيمة هذه القصة لا تختصر في السلاح، بل في دلالتها الاجتماعية. ففي ذلك الزمن لم تكن الدولة الأردنية قد تأسست، وكانت العشيرة الإطار الذي يوفر الحماية ويحفظ التوازنات المحلية. لذلك لا يصح إسقاط مفهوم الدولة الحديثة على رجال عاشوا قبل قيامها؛ فقد دافعوا عن الأرض والكرامة والحقوق بالأدوات المتاحة في زمانهم، وهي قيم أسهمت لاحقاً في تشكيل الرصيد الاجتماعي للدولة.
وتتأكد هذه الدلالة في هية الكرك عام 1910، حين كان لبني حميدة حضور بارز في مقاومة إجراءات التعداد والتجنيد. وهناك يبرز اسم الشيخ منصور بن طريف، الذي اختار تسليم نفسه للسلطات العثمانية مقابل الإفراج عن رجال عشيرته، فصدر بحقه حكم بالإعدام ونُفذ في الكرك. إنها قيادة تُقاس بالتضحية، لا بالمكاسب.
واليوم، لا ينبغي استحضار هذا التاريخ لإحياء خصومة أو وضع العشيرة في مواجهة الدولة، بل لاستخلاص قيم الكرامة والوفاء والمسؤولية. فالعشيرة الوطنية تكون سنداً للقانون، ورافداً للتكافل والإصلاح، حين تشجع أبناءها على التعليم والعمل والإنتاج والكفاءة، لا على الواسطة وتعطيل العدالة.
لقد تغير الزمن؛ فلم تعد قوة العشيرة تقاس بعدد الرجال والسلاح، بل بما تقدمه من علماء وأطباء ومهندسين ومبدعين وجنود وموظفين أكفاء. تلك هي النقلة المنشودة: من عشيرة تحمي أبناءها إلى عشيرة تبني وطنها. ومن ذيبان بدأت حكاية مقاومة، ومن الدولة يجب أن تكتمل حكاية البناء.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions