عبدالهادي راجي المجالي يكتب : تسخيفنا
نبأ الأردن -
ألم يعد في الأردن قصص تروى غير المنسف ، كلما جاء للأردن ضيف أو مدون ..نأخذه لكي يأكل المنسف ، ونعلمه كيفية انتاج الطابات ..ثم نبث ذلك وننظر له على أنه انتصار وطني عظيم .
المنسف صار يأخذ مساحة من الفيديوهات في السوشيال ميديا ، أكثر من تاريخ الدولة وأكثر من الشهداء وأكثر من الإرث الثقافي والحضاري الذي نمتلكه .
صرت أشعر أن السوشيال ميديا صارت وسيلة تسخيف أكثر منها وسيلة تنوير ...لنفترض أننا قمنا بشطب المنسف من تراثنا ، هل هذا يعني أن البلد ستندثر أو تنتهي أو تموت ؟
هل صارت هوية محافظة مثل إربد تختصر (بالمكمورة) ، إربد تاريخها أكبر من (طبخة) وأكبر من ( الجعاجيل) ..هي أم القمح والسنابل ، أم الحكايا التي تروى عن البلد ، هي قصة الزراعة في الأردن قصة المجتمعات الفلاحية التي أنتجت الإكتفاء الذاتي ، هي قصة الشعراء والعسكر ، لقد صعقت أمس وأنا أتابع مدونة لبنانية ..تقدم من إربد (فيديو) وتختصر مدينة بالقول : (اربد تربتا حمرا ..ولا تذربني لا تذرب وأهل اربد بحبو التويوتا كرمال سرعتا ونظافتا وئوتا) ..هل هكذا تقدم إربد ؟
والمشكلة أن هذه المدونة هددت زميلنا نبيل الخطيب بالمحكمة ، حين اتهم المحتوى بأنه سخيف .
القصة ليست في اربد ، السلط هي الأخرى لا تقدم من مطعم ..والسلط لا تختصر بالقلاية والمنسف ، والرشوف ...السلط هي قصة التعليم في الأردن ، هي قصة الحياة المدنية الحقيقية ، قصة من احترفوا التنوير من مارسوا القضاء والمحاماة منذ بدايات الدولة ، هي قصة عبدالحليم النمر الحمود ..قصة الوعي والاقتدار ، قصة حسني فريز وقصة الحياة السياسة والمعارضة .
هل الكرك خارجة عن السياق ..الكرك أم أول ثورة حديثة ، ولدت بمباديء وسال الدم فيها لأجل الضمير وشرف الكلمة ، الكرك أم الرفض والسياسة وجذور التاريخ كلها نبتت فيها ، صرت أحزن عليها فكلما وضعت اسمها على محرك البحث خرج لي المنسف ، وكلما بحثت عن فيديو للكرك ، ظهرت لي سيدة تقوم بمرس الجميد ..
ألأردن أكبر من ذلك بكثير ، ومحافظاتنا كلها أكبر أيضا ،الأردن هو الوطن الوحيد في الشرق الذي لم تعبر عليه إلا الممالك ، والأردني لم يحكم إلا من الملوك ، والبدوي في هذا البلد هو معجزة حقيقية ، لقد استطاع أن يدرس في بريطانيا ويتفوق في الطب والهندسة ، لقد كان البدو في الأردن طليعة أستاذة الجامعات وأمهر الأطباء والمهندسين ..والفلاح في هذا البلد هو معجزة أيضا ، فقد أسس المجتمعات التي تؤمن بالتعليم والحياة الكريمة والحرية ، وأرسل أولاده إلى أهم العواصم في العالم كي يتعلموا ...ويؤسسوا وطنا تغار منه الشمس .
لقد صعقت البارحة ، حين أرسل لي أحد الأصدقاء من إربد فيديو للمدونة اللبنانية إياها ، وهي تقدم إربد عبر اللهجة فقط ، الفيديو خال من المحتوى وسخيف ومن حق ابن اربد أن يحافظ على تراثه ، على مدينته على الجامعات التي بنيت فيها على حوران التي كانت سلة القمح للشام كلها ، على عرار الذي كان قصة تروى للأجيال ، عرار كانت القصيدة في يده مثل الرمح ، والقافية كانت طلقة ..هل تختصر إربد هكذا ، والمشكلة أنها تهدد كل من ينتقدها بالجرائم الإلكترونية ..وبقانون نحن صغناه ، ونحن كتبناه كي ننظم العلاقة بين أنفسنا كدولة وكمجتمع وشعب ...
للأسف مؤسسة مثل المرئي والمسموع ، ما زالت مؤسسة هشة (وهي وقلتها واحد) ..ووزير الإعلام ، مازال مكبلا بالأنشطة البروتوكولية ، كان الأولى بدلا من مؤتمرات الناطقين أن نؤسس مؤتمرا ونطرح فيه السؤال التالي : كيف نقدم أنفسنا للعالم ، وهل صار الأثير الأردني مفتوحا لكل من يريد أن يبحث عن إعلانات مطاعم ويجني الدولارات ، كي يستخف بلهجتنا ؟
هذا هو المطلوب من وزير الإعلام الان...المطلوب منه حماية الأثير الأردني ، والمطلوب منه أن يقدم الأردن بما يليق به ، الأردن ليس منسفا ، ولا مكمورة ، ولا رشوف ..الأردن هو المعجزة والتاريخ وهو الضرورة وبوابة الشرق كله..وهو الشبابيك المطلة على الغرب .
عبدالهادي راجي
























