اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

نضال المجالي يكتب: نتنياهو.. الممثل الذي غادر جمهوره وبقي على المسرح

نضال المجالي يكتب: نتنياهو.. الممثل الذي غادر جمهوره وبقي على المسرح
نبأ الأردن -
قررت أن أسمع كلمة نتنياهو فلم أشاهد منذ زمن مشهداً سياسياً بهذه الدرجة من العبث، رجل يقف على منصة الأمم المتحدة ليتحدث إلى العالم، بينما العالم نفسه تقريباً يقرر أن يخرج من القاعة!
هكذا بدأ بنيامين نتنياهو خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة: عشرات الوفود تنهض من مقاعدها وتغادر، وأجزاء كبيرة من القاعة تصبح فارغة، والرجل مستمر في الكلام وكأن شيئاً لم يحدث. حتى إن رئيس الجمعية العامة اضطر إلى تكرار طلبه: «النظام في القاعة».
هنا قلت في نفسي: لماذا لا تُستحدث جائزة جديدة في السياسة الدولية؟ «جائزة أفضل ممثل في الخطاب السياسي». وأعتقد أن نتنياهو يستحق أن يدخل المنافسة بقوة.
ليس لأنه قال كذا وكذا فقط، فالكذب السياسي يحتاج إلى تحقيق مستقل لكل ادعاء، وليس إلى انطباع صحفي، لكن الرجل قدم نموذجاً لافتاً في تحويل الخطاب السياسي إلى عرض مسرحي: قصص، اتهامات، صور، أجهزة، تهديدات، رسائل، ثم اتهام كل من لا يصفق له بأنه لا يفهم الحقيقة.
والأطرف أن الجمهور نفسه كان يقول له شيئاً مختلفاً تماماً، بالخروج من القاعة.
نتنياهو، بدلاً من أن يتساءل لماذا يغادر هذا العدد من ممثلي دول العالم، قرر أن يمنحهم شهادة أخلاقية، فوصف المغادرين بأنهم «جبناء أخلاقياً»، بل دعا من بقي منهم إلى المغادرة أيضاً!
تخيلوا لاعباً يدخل الملعب، فيغادر الجمهور المدرجات، فيلتفت إلى المقاعد الفارغة ويقول: «أنتم لا تفهمون اللعبة!».
المشكلة في خطابات نتنياهو دائماً في تحويل كل رواية سياسية إلى حقيقة وحيدة، ثم التعامل مع كل رواية أخرى باعتبارها كذباً أو مؤامرة.
قال إن إسرائيل لم ترتكب إبادة، بل منعت إبادة، واتهم خصومه بنشر الأكاذيب، وهاجم عمدة نيويورك، وهاجم قطر وتركيا، وقدم نفسه وحكومته باعتبارهما الطرف الذي يعرف الحقيقة وحده، ثم جاءت الإكسسوارات. جهاز «بيجر» يرفعه أمام العالم، وجهاز «ستارلينك» يلوّح به، وكأننا أمام برنامج تلفزيوني وليس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. بصراحة، كنت أنتظر في لحظة ما أن يخرج من جيبه جهاز تحكم ويقول: «والآن ننتقل إلى الفقرة الثانية من العرض».
لكن هناك شيئاً واحداً لم يستطع نتنياهو التحكم به. الكراسي. الكراسي لا تكذب. عشرات الوفود خرجت. والكاميرات صورت المقاعد الفارغة. والقاعة التي يفترض أن تكون مسرحاً لعرض القوة تحولت إلى أفضل ناقد صامت للخطاب.
والمفارقة أن نتنياهو كان يتحدث عن الحقيقة، بينما المشهد أمامه كان يقول شيئاً آخر تماماً. قد يختلف الناس على الكلمات. قد يختلفون على الروايات. قد يختلفون على السياسة. لكن من الصعب أن تختلف مع صورة مقاعد فارغة. فالمقاعد لا تصوّت، ولا تجامل، ولا تخاف من نتنياهو.
وهنا كانت أفضل لحظة في الخطاب كله. لم تكن جملة قالها نتنياهو. كانت اللحظة التي قرر فيها الجمهور أن يجيب بطريقته الخاصة: نحن لا نريد سماع بقية المسرحية. أما الممثل، فبقي على المسرح. واصل الكلام. واصل الاتهامات. واصل عرض الأدلة التي اختارها. وواصل الحديث إلى الكاميرات. لكن الجمهور كان قد قال كلمته.
ولهذا، إذا قررت الأمم المتحدة يوماً أن تمنح «جائزة الممثل السياسي الأكثر إصراراً على مواصلة العرض أمام مقاعد فارغة»، فأنا أقترح أن يكون بنيامين نتنياهو أول اسم في القائمة. ليس لأن السياسة مسرح. بل لأن بعض السياسيين، عندما يفقدون الجمهور، لا يغادرون المسرح. يستمرون في التمثيل... حتى بعد أن ينتهي العرض.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions