عمر الدريني يكتب: الموظف الذي لا يسمع كلمة شكر
نبأ الأردن -
ليس كل ما يحتاجه الإنسان في مكان عمله زيادة في الراتب، ولا ترقية في الدرجة، ولا مكتبًا أكبر.
أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يشعر أن أحدًا رأى ما فعله.
أن تمر الساعات الطويلة التي بذل فيها جهده دون أن تختفي في زحام الأيام، أن يعرف أن المهمة التي أنجزها بصمت، والمشكلة الصغيرة التي منعها من أن تكبر، والموقف الذي تحمل فيه ضغطًا إضافيًا، لم تمر جميعها دون أن يلاحظها أحد.
هناك موظف يصل قبل الجميع، وآخر يغادر بعدهم، وثالث يحمل مهمة لا تظهر في التقارير، ورابع يتدخل كل يوم لإصلاح تفصيل صغير لا ينتبه إليه أحد إلا عندما يتعطل، ثم ينتهي يومهم جميعًا، وكأن شيئًا لم يحدث.
ليس لأنهم ينتظرون التصفيق.
لكن لأن الإنسان، مهما كان مهنيًا، يحتاج بين حين وآخر إلى كلمة تقول له ببساطة: لقد رأينا جهدك.
في كثير من بيئات العمل، نتعامل مع الإنجاز باعتباره واجبًا ينتهي بمجرد إنجازه، بينما ننسى أن وراء كل مهمة ناجحة إنسانًا بذل وقتًا وتركيزًا وربما تنازل عن جزء من راحته.
نعم، الموظف يتقاضى أجرًا مقابل عمله، والقيام بالواجب ليس فضلًا يُمنح للمؤسسة. لكن الاعتراف بالجهد شيء آخر تمامًا، فالشكر لا يحوّل الواجب إلى منّة، كما أن التقدير لا يعني توزيع المديح بلا معيار.
هناك فرق كبير بين المجاملة التي تفقد قيمتها من كثرة استخدامها، والتقدير الصادق الذي يأتي في مكانه وزمانه.
قد تقول لزميل أنجز مهمة صعبة: «شكرًا». وقد يقول مدير لموظف تحمّل ضغطًا إضافيًا: «أقدّر ما بذلته». وقد يلتفت موظف إلى زميله الذي ساعده في نهاية يوم طويل ويقول له كلمة بسيطة.
لا شيء من ذلك يحتاج إلى ميزانية.
لكن أثره قد يكون أكبر مما نتصور.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل هو: لماذا نلاحظ الخطأ بسرعة، بينما يحتاج الإنجاز أحيانًا إلى من يذكّرنا بوجوده؟
لماذا تصل الملاحظة إلى الموظف في اللحظة نفسها التي يقع فيها التقصير، بينما قد تمر أسابيع دون أن يسمع كلمة تقدير واحدة عندما ينجح؟
في بعض بيئات العمل، أصبح البحث عن الخطأ جزءًا من الثقافة اليومية، بينما أصبح الشكر استثناءً، نتحدث عما لم يُنجز، وما تأخر، وما يحتاج إلى تصحيح، لكننا لا نتوقف بالقدر نفسه عند المهمة التي أُنجزت بإتقان، والموقف الذي عولج بحكمة، والجهد الذي بُذل بعيدًا عن الأضواء.
وهنا يجب أن ننتبه إلى أمر آخر: التقدير الحقيقي لا يعني أن نقول للجميع إنهم ممتازون طوال الوقت.
فالموظف المتميز نفسه قد يفقد قيمة التقدير إذا أصبح الشكر عادة آلية توزع بالتساوي، بغض النظر عن الجهد والنتيجة.
التقدير المهني يحتاج إلى صدق، والصدق يحتاج إلى معرفة.
أن تعرف من بادر، ومن اجتهد، ومن ساعد زملاءه، ومن تحمل مسؤولية إضافية، ومن حافظ على هدوئه عندما كان بإمكانه أن ينفعل، ومن أنجز عمله جيدًا دون أن ينتظر أن يُطلب منه ذلك.
عندها يتحول الشكر من مجاملة إلى جزء من الإدارة السليمة.
فالإنسان الذي يعرف أن جهده مرئي، يشعر غالبًا بأن ما يفعله له معنى، وأن المؤسسة لا تراه مجرد اسم في كشف الحضور والانصراف.
لكن المسؤولية لا تقع على المدير وحده.
بيئة العمل الصحية تبدأ أيضًا عندما يتعلم الموظفون تقدير بعضهم بعضًا، أن يستطيع الإنسان أن يقول لزميله: «شكرًا لأنك ساعدتني»، دون أن يشعر أن هذه الكلمة تنتقص من مكانته.
نحن أحيانًا نعمل في أماكن مليئة بالكفاءات، لكن ينقصها شيء بسيط جدًا: أن يرى الناس بعضهم بعضًا.
أن ننتبه إلى الجهد الذي يحدث أمامنا، لا إلى النتيجة وحدها.
فالمؤسسة ليست آلات تنفذ التعليمات، والموظف ليس رقمًا في جدول. خلف كل وظيفة إنسان لديه طاقته وحدوده وظروفه، ويحتاج إلى أن يشعر بأن ما يقدمه له قيمة.
وقد لا يتذكر الموظف كل التعليمات التي سمعها خلال سنوات عمله، ولا كل الاجتماعات التي حضرها، ولا كل النماذج التي وقعها.
لكنه قد يتذكر طويلًا مديرًا قال له في يوم متعب: «أعرف أنك بذلت جهدًا كبيرًا».
وقد يتذكر زميلًا شكره في لحظة كان يشعر فيها أن ما يفعله لا يراه أحد.
لهذا، فإن كلمة «شكرًا» في مكان العمل ليست زينة لغوية، ولا مجاملة عابرة.
إنها رسالة صغيرة تقول للإنسان إن جهده لم يختفِ بمجرد انتهاء المهمة.
وربما تكون المؤسسات الأكثر إنسانية ليست تلك التي لا يخطئ فيها أحد، ولا تلك التي لا تحتاج إلى تحسين، بل تلك التي تعرف كيف تقول لموظفها في الوقت المناسب:
نرى ما تفعل، ونقدّر أنك تفعله.
لأن بعض الناس لا يحتاجون إلى أن نرفع أصواتنا تقديرًا لهم.
يكفي أحيانًا أن نرفع أعيننا ونراهم.























