وائل منسي يكتب:جنوب سوريا والأردن: هل يجري إعداد الجغرافيا لما بعد التهجير؟
نبأ الأردن -
قد يكون من السذاجة قراءة التوغل الإسرائيلي المتسارع في جنوب سوريا باعتباره مجرد إجراء أمني لحماية الدروز أو منع تهديد محتمل من دمشق. فالمسألة، إذا وُضعت ضمن سياق التحولات التي تضرب فلسطين وسوريا والمنطقة، تبدو أكبر من حدود الجنوب السوري: إنها صراع على الجغرافيا التي ستستوعب نتائج إعادة تشكيل القضية الفلسطينية نفسها.
في المدى القريب، تستخدم إسرائيل «حماية الدروز» عنواناً لتدخلها، بينما تعمل ميدانياً على منع عودة الدولة السورية إلى الجنوب، وتدمير قدراتها العسكرية وفرض واقع أمني يتجاوز الحدود القائمة. ومع استمرار التوغلات وبناء المواقع والتحصينات، يتحول التدخل من عملية عسكرية إلى بنية نفوذ دائمة.
لكن السؤال الأكثر حساسية يبدأ من هنا: ماذا لو لم يكن الجنوب السوري مجرد منطقة عازلة، بل جزءاً من هندسة إقليمية لمرحلة ما بعد التهجير الفلسطيني؟
الاحتمال الذي ينبغي على الأردن أخذه بمنتهى الجدية هو أن تتحول الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية على الفلسطينيين إلى مسار تهجير تدريجي، لا بالضرورة عبر قرار واحد معلن، وإنما عبر جعل الحياة في بعض المناطق أكثر صعوبة إلى أن تصبح «الهجرة» الخيار المفروض عملياً. وفي هذا السيناريو، قد يكون عرب الـ48، إلى جانب أجزاء من سكان الضفة الغربية، ضمن الفئات الأكثر تعرضاً لضغوط إعادة التموضع.
وهنا يصبح الجنوب السوري ذا أهمية استثنائية.
فإضعاف الدولة السورية، وتشكيل منطقة نفوذ إسرائيلية جنوباً، وإعادة ترتيب القوى المحلية، كلها يمكن أن تنتج جغرافيا جديدة في جوار الأردن وفلسطين.
وإذا تزامن ذلك مع موجة تهجير فلسطينية، فقد تتحول المنطقة إلى جزء من معادلة إقليمية أكبر لإدارة حركة السكان.
لا توجد، في المصادر المفتوحة، أدلة كافية للجزم بأن إسرائيل أعدت خطة معلنة لنقل فلسطينيي الـ48 أو سكان الضفة إلى سوريا.
لكن الاستراتيجية لا تُقرأ دائماً من الوثائق؛ أحياناً تُقرأ من اتجاه الحركة.
وعندما تتقاطع الضغوط على الفلسطينيين مع إعادة رسم الحدود الأمنية في سوريا، يصبح تجاهل هذا السيناريو مخاطرة سياسية وأمنية.
بالنسبة إلى الأردن، المسألة أكثر خطورة.
فالمملكة قد تجد نفسها أمام محاولة لإعادة تعريف دورها من دولة مستقلة في الإقليم إلى مساحة لاستيعاب تداعيات أزمة فلسطينية يجري حلها ديموغرافياً بدلاً من حلها سياسياً.
وهذا تحديداً ما يجب أن يرفضه الأردن بكل أدواته السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية.
الأردن لا يستطيع التعامل مع أي تهجير محتمل باعتباره «موجة لجوء جديدة».
فتهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين من الضفة أو الداخل الفلسطيني سيكون، في جوهره، تغييراً قسرياً في الواقع السكاني والسياسي للقضية الفلسطينية، وستكون انعكاساته على الأردن مختلفة جذرياً عن أزمات اللجوء السابقة.
وفي الخلفية، هناك صراع آخر على الجغرافيا الاقتصادية. فالجنوب السوري يقع عند تقاطع طرق المشرق، ومن يسيطر على عقده الجغرافية يمتلك نفوذاً على خطوط التجارة والطاقة والنقل بين الخليج والعراق وسوريا والأردن والبحر المتوسط.
ولذلك فإن الحديث عن «طريق الحرير» ينبغي فهمه ضمن صراع أوسع على الممرات التي ستحدد شكل الاقتصاد الإقليمي القادم.
المشهد المحتمل، إذا استمرت هذه المسارات في الاتجاه نفسه، ليس مجرد جنوب سوري منزوع السلاح؛ بل سوريا أكثر تفككاً، وجنوب خاضعاً لنفوذ إسرائيلي، وفلسطينيون تحت ضغط متزايد، وأردن محاصر بتداعيات جغرافية وديموغرافية لا يصنعها بنفسه.
وهنا تحديداً يجب أن يرتفع مستوى التحذير الأردني.
المعركة القادمة قد لا تكون فقط على الأرض، بل على من يملك حق البقاء فيها. وإذا كانت إسرائيل تعيد رسم حدودها الأمنية شمالاً، فإن السؤال الذي يجب أن يقلق عمان هو ما إذا كانت المنطقة تستعد في الوقت نفسه لإعادة رسم حدودها السكانية.
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الأردن هو انتظار وقوع التهجير حتى يبدأ التعامل معه.
المطلوب هو التعامل معه باعتباره سيناريو أمن قومي يجب إحباطه قبل أن يتحول إلى أمر واقع.

























